التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني


   مقدمة

في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية.
لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ليس لأنها تكشف جديداً لم نكن نعرفه كتقدميين، بل لأنها تدين التنظيم بلسان رجالاته وتكشف عوراته المخبأة. وتبرز هنا تجربة المحامي والكاتب ثروت الخرباوي كواحدة من أعمق القراءات النقدية التي فككت هيكل جماعة "الإخوان المسلمين" من الداخل بعد عقود من التنظيم والقيادة.
أولاً: من باحة التنظيم إلى فضاء الوعي.. اختراق الأسوار المغلقة وأسرار الهيكل الداخلي
عندما يتحدث ثروت الخرباوي في كتابيه الفارقين "سر المعبد" و"قلب الإخوان"، فإنه لا ينطلق من موقع المراقب الخارجي أو المحلل الأكاديمي، بل من تجربة قيادية وعضوية فاعلة امتدت لعقدين من الزمن عايش فيها مراكز صنع القرار وميكانيزمات السيطرة الفكرية والتنظيمية. هذا العبور من الظلمة إلى النور يمثل حالة الارتداد الفطري للعقل البشري عندما يصطدم ببراغماتية التنظيم وانتهازيته.
إن شهادة الخرباوي تزيح الستار عن الطابع السري والكهنوتي للجماعة، حيث يُدار المشهد خلف الجدران المغلقة عبر تراتبية صارمة تشبه الأنظمة السرية في التدرج والبيعة الإقصائية. هذه البنية تعتمد "السمع والطاعة المطلقة" كأداة قهرية لإلغاء العقل النقدي، وتصفية أي نزعة تساؤلية لدى الكوادر. هذا الطابع "المعبدي" يحول الأعضاء والشباب إلى أدوات وظيفية صماء تخدم أهداف النخبة القائدة المتمثلة في مكتب الإرشاد، وهو ما يصطدم بنيوياً وجذرياً مع الفكر التقدمي القومي الذي يقوم أساساً على تحرير الوعي، وإعلاء قيم العقلانية، والمواطنة، والسيادة الشعبية. لقد أثبت الخرباوي من خلال معايشته لانتخابات النقابات المهنية ومؤسسات الجماعة أن الديمقراطية لديهم مجرد ديكور خارجي يخفي مستنقعاً من التعيينات الفوقية والولاءات الشخصية المصممة لضمان بقاء الحرس القديم وفكره المتكلس.
ثانياً: تفكيك البنية الفكرية والتنظيمية.. ثلاثية الانتهازية والظلامية والإرهاب
كشفت شهادات الخرباوي ومقالاته عورات التنظيم التي تلطت طويلاً خلف شعارات الأخلاق والدين، ويمكن تفكيك حقيقة هذا المطبخ الداخلي في نقاط جوهرية:
  • الانتهازية السياسية وتسييس المقدس: أثبتت شهادة الخرباوي أن الدين لدى الجماعة ليس مقصداً أخلاقياً أو روحياً، بل هو مجرد غطاء تعبئي للوصول إلى السلطة. يتحرك التنظيم ببراغماتية ميكيافيلية، مستعداً للتحالف مع أشد أعداء الأمة والانقلاب على الحلفاء بناءً على المصلحة الحزبية الضيقة لا مصلحة الوطن.
  • الظلامية وتزييف الوعي الجمعي: يقوم الفكر الإخواني على تقسيم المجتمع إلى "فسطاطين" (مؤمنين داخل الجماعة، ومخالفين خارجها)، مما يؤسس لثقافة الإقصاء والتكفير المجتمعي. هذا المنزع الظلامي يرى في الفكر القومي والتقدمي عدواً لدوداً، لأنه يسعى لبناء دولة مدنية مساوية بين جميع أبنائها.
  • العنف المكتوم والإرهاب المؤجل: رغم محاولات التنظيم تسويق نفسه كحركة مدنية سلمية، فإن الخرباوي أضاء على الجذور الفكرية العنيفة التي زرعها حسن البنا وسيد قطب. إن العقيدة الفكرية للجماعة تحمل في طياتها بذور تكفير الدولة الوطنية، وما العنف المسلح إلا مرحلة تنفيذية مؤجلة يتم تفعيلها فور شعور الجماعة بالخطر أو التمكين.
ثالثاً: العمالة والارتهان للمشاريع الإقليمية والدولية
من أخطر ما وثقه الخرباوي في مراجعاته هو الامتداد الدولي للتنظيم والروابط المشبوهة بعواصم القرار الغربي والإقليمي. من منظور قومي، يشكل التنظيم الدولي للإخوان أداة وظيفية في يد القوى الاستعمارية لتفتيت المنطقة العربية وإشغالها بصراعات طائفية ومذهبية.
إن ولاء الجماعة لـ "دولة الخلافة" المتوهمة يسقط مفهوم "الوطن والسيادة" من حساباتها. لقد تحولت عواصم غربية إلى ملاذات آمنة ومنطلقات لإدارة أموال التنظيم وتوجيه ضرباته ضد الدول الوطنية العربية. هذا الارتهان للخارج يعري شعارات السيادة التي ترفعها الجماعة ويضعها في خانة "العمالة الوظيفية" لمشاريع الهيمنة الأجنبية التي تستهدف تصفية المشروعات القومية التحررية.
رابعاً: الأثر المعرفي لشهادة الخرباوي في معركة الوعي
تكمن أهمية مؤلفات ومقالات ثروت الخرباوي في أنها قدمت أدلة إدانة دامغة من داخل الصندوق الأسود للجماعة. لم يعد بإمكان المدافعين عن الإسلام السياسي ادعاء المظلومية أو التشويه الإعلامي؛ فالشهادة هنا معززة بالأسماء، والوقائع، والآليات التنظيمية والمالية.
بالنسبة لنا كتقدميين وقوميين، فإن هذه الشهادة تمثل ذخيرة فكرية في معركة الوعي. إنها تكشف للشبيبة العربية كيف يجري استغلال العواطف الدينية الصادقة لتجنيدهم في مشاريع تدميرية تخدم أجندات معادية لأمتهم.
خاتمة: الدولة الوطنية هي الحصن والبديل
إن قراءتنا لشهادة ثروت الخرباوي لا تقف عند حدود رصد السقوط الأخلاقي والتنظيمي لجماعة الإخوان، بل تدفعنا إلى التأكيد على البديل التاريخي. إن الرد الحاسم على الظلامية، والانتهازية، والإرهاب، والعمالة، لا يكون إلا بـ:
  • تعزيز الدولة الوطنية المدنية التقدمية القوية بمؤسساتها.
  • إحياء المشروع القومي العربي القائم على التحرر الاقتصادي، والسياسي، والعدالة الاجتماعية، والمواطنة الكاملة.
لقد تهاوى "المعبد" الإخواني فكرياً وسياسياً، وما كشفه الخرباوي ليس إلا تأكيداً على حتمية تاريخية: أن التنظيمات التي تتغذى على دماء الأوطان وتزييف وعي الشعوب، مصيرها الهامش والتاريخ سيلفظها، بينما تبقى الأوطان حرة، منيعة، وتقدمية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...