مقدمة: في جدلية التحرر والتبعية
لا يمثل تاريخ التحرر الوطني في تونس مجرد سردية لجلاد ومستضعَف، بل هو ساحة صراع طبقي، وفكري، وهووي محتدم، دارت رحاه بين مشروعين متناقضين جذرياً. المشروع الأول هو حركة المقاومة الأصيلة بأبعادها العروبية والإسلامية، والتي رأت في التحرر انخراطاً عضوياً في معركة البعث العربي الشامل وتصفية تامة لبنى الاستعمار. أما المشروع الثاني، فهو الشق الفرنكوفوني التغريبي الذي قاده الحبيب بورقيبة ومن سار في فلكه، والذي قام على عقيدة "القطرية الضيقة" ومحاكاة النموذج الغربي، متوسلاً بسياسة "المراحل" لتأمين انتقال سلس للسلطة يحافظ على المصالح الحيوية للمستعمر القديم. إن تفكيك هذا الصراع يتطلب ملامسة الجذور الفكرية والطبقية لثورة "الفلاقة"، وتشريح آليات الهيمنة الثقافية التي ضربت مقومات الهوية القومية بعد الاستقلال الشكلي.
أولاً: الأبعاد الفكرية للمقاومة (العمق العروبي والإسلامي)
انطلقت المقاومة التونسية ضد الاحتلال الفرنسي منذ عام 1881 من أرضية عقائدية وقومية صلبة، ولم تكن مجرد رد فعل عاطفي مؤقت. تبلور هذا البعد عبر رافدين أساسيين:
- الرابطة الإسلامية وجامع الزيتونة: شكل الزيتونة المعمور، كمنارة علمية وفقهية، خط الدفاع الأول عن الهوية. فقد صاغ مشايخه وطلابه الوعي الجمعي الرافض لسياسات "الفرنسة" والتجنيس، واعتبروا مواجهة المستعمر "جهاداً مقدساً" لحماية ثغور الأمة. هذا الفكر رسخ في وجدان التونسيين أن التفريط في اللغة العربية أو العقيدة هو تفريط في الوجود ذاته.
- الوعي القومي والوحدوي: تأثرت النخب التونسية المقاومة بحركات النهوض العربي في المشرق، وأدبيات مجلة "المنار" وفكر "البعث" لاحقاً. تجلى هذا في إدراك المقاومين أن معركة تونس لا تنفصل عن معركة تحرير الجزائر والمغرب، بل هي امتداد للنضال العربي الشامل ضد الإمبريالية. كانت القاهرة، وقبلها طرابلس الغرب، تمثلان عمقاً استراتيجياً تتماهى فيه الحدود المصطنعة أمام وحدة الهدف القومي.
ثانياً: البعد الاقتصادي والاجتماعي لثورة "الفلاقة"
إن قراءة حركة "الفلاقة" في الخمسينيات من منظور تقدمي تكشف عن طبيعتها كحركة جماهيرية ذات خلفية طبقية واضحة. لم تكن الفلاقة مجرد مجموعات مسلحة معزولة، بل كانت تعبيراً عن سخط الفئات المسحوقة:
- التركيبة الطبقية: تشكلت نواة الفلاقة من أبناء القبائل، والفلاحين الفقراء، والعمال الكادحين، والمهمشين في الدواخل والجنوب والشمال الغربي. هؤلاء هم الذين انتُزعت أراضيهم الخصبة لصالح "المعمرين" الفرنسيين والبرجوازية الكولونيالية، فعانوا من الثالوث المدمّر: الفقر، والجهل، والأوبئة.
- الأرض كعصب للنضال: كانت الأرض بالنسبة للفلاح التونسي تدمج بين القيمة الاقتصادية والمعنى الروحي (الوطن والعِرض). لذلك، كان دافع الثورة مركباً؛ فهو قتال لفك الارتهان الاقتصادي للمستعمر، واسترداد لوسائل الإنتاج المنهوبة، والتزام ديني وقومي برفض حكم "الكافر الأجنبي". لقد مثل الفلاقة الروح الراديكالية التي رفضت المساومات السياسية الفوقية، وكانوا يطالبون بجلاء تام لا تشوبه تنازلات.
ثالثاً: قادة الميدان والسياسة (الائتلاف الوجداني)
التقى في الميدان صدق بندقية "الفلاح" مع وضوح رؤية "السياسي القومي"، وتجسد هذا الائتلاف في رموز تاريخية قادت المواجهة:
- الشيخ علي بن خليفة النفاتي: قاد قبائل الجنوب عام 1881 في معارك ضارية ضد الجيوش الغازية، ورفض الخنوع لمعاهدة باردو، واختار الانسحاب نحو الأراضي الليبية لمواصلة المقاومة بالتنسيق مع الخلافة العثمانية، مؤصلاً لنهج الرفض المطلق.
- الشهيد القائد صالح بن يوسف: الأمين العام للحزب الحر الدستوري الجديد، والرمز الأبرز للتيار العروبي الوحدوي. جسد بن يوسف الربط العضوي بين معركة تونس والثورة الجزائرية المسلحة، مدعوماً من نظام جمال عبد الناصر وحركة القومية العربية في القاهرة. رفض اتفاقيات الاستقلال الداخلي عام 1955 واعتبرها خطوة لتأبيد التبعية، ومصيدة لشق صف الثورة.
- قادة الفلاقة الميدانيون: أمثال مصباح الجربوع، وساسي لسود، والطاهر الأسود، والذين قادوا ملاحق جبلية أربكت الحسابات العسكرية الفرنسية، وفرضوا بقوة السلاح على المستعمر ضرورة إعادة النظر في وجوده.
رابعاً: آليات الهيمنة الثقافية والتغريب للشق الفرنكوفوني
بعد حسم الصراع السياسي والعسكري لصالح الشق البورقيبي عبر تصفية "اليوسفيين" واغتيال القائد صالح بن يوسف في ألمانيا عام 1961، وتجريد الفلاقة من أسلحتهم بتواطؤ مع الآلة العسكرية الفرنسية، انتقل الشق الفرنكوفوني الحاكم إلى تثبيت أركان سلطته عبر استراتيجية ممنهجة للهيمنة الثقافية وتجفيف منابع الهوية العربية الإسلامية، وتمثلت آلياتها في:
- تفكيك المؤسسة الزيتونية وتأميم الدين:
تم غلق جامع الزيتونة المعمور كمؤسسة تعليمية مستقلة ذات إشعاع معرفي، وتفتيته عبر تحويله إلى كلية بائسة للشريعة تابعة لمنظومة التعليم المدني المفرنس. وتزامن ذلك مع حل الأوقاف الإسلامية التي كانت تؤمن الاستقلال المالي للعلماء والمدارس، وإلغاء المحاكم الشرعية، بهدف إخضاع الحقل الديني بالكامل لسلطة الدولة "الحديثة" وتجريده من طاقته التحريضية المقاومة. - فرنسة التعليم وصياغة الوعي المستلب:
أُعيدت هيكلة المناهج التعليمية لتصبح اللغة الفرنسية هي لغة العلوم، والإدارة، والترقي الاجتماعي، بينما عُزلت اللغة العربية في زاوية الآداب والتلقين التقليدي. روجت المناهج البورقيبية لسردية تاريخية تقطع صلة تونس بمحيطها العربي، وتربطها برباط وهمي مع "المتوسط" والإرث القرطاجي الروماني، مظهرة الاستعمار الفرنسي في لبوس "المثاقفة" والتحديث بدلاً من حقيقته الكولونيالية البشعة. - صناعة "الأنتليجنسيا" الوظيفية:
جرى تفريخ وبناء نخبة فكرية، وإعلامية، وإدارية مفرنسة (تتحدث وتفكر بالفرنسية)، تم ربط مصالحها الطبقية بمدى ولائها للثقافة الفرنكوفونية. غدت هذه النخبة أداة وظيفية لجلد الذات القومية، وازدراء الأصالة العربية، والترويج لـ "الخصوصية التونسية" المبتورة كغطاء لرفض أي تقارب أو وحدة مع الأقطار العربية الشقيقة. - تغريب الأحوال الشخصية وتشريعات القطيعة:
وظّف النظام الفرنكوفوني القوانين والتشريعات المجتمعية، كجواز سفر إيديولوجي لخطب ود الغرب والحصول على شرعية دولية. ورغم ما حوته بعض القوانين من جوانب تنظيمية، إلا أن سياقها الفكري كان يستهدف إحداث قطيعة نفسية وثقافية مع الموروث الفقهي العربي الإسلامي، وإظهار المجتمع التونسي كنموذج "مستنير" يفوق جيرانه العرب، مما عزز العزلة الثقافية للقطر.
خامسا: الرؤية التقدمية للمستقبل (خاتمة)
إن التحليل التاريخي التقدمي لا يقف عند البكاء على الأطلال، بل يهدف إلى كشف آليات التزييف الفكري. إن الاستقلال الذي صاغه الشق الفرنكوفوني عام 1956 كان استقلالاً منقوصاً؛ لأنه استبدل الجندي الفرنسي بالخبير واللوائح الفكرية الفرنسية، ومسخ هوية القطر وعزله عن معركته القومية والطبقية.
إن دماء الفلاقة وفكر صالح بن يوسف وتضحيات قبائل الدواخل تظل الحقيقة التاريخية النابضة بأن التحرر الحقيقي لا يتحقق بـ "خذ وطالب" المهادنة، بل بالقطع البنيوي مع التبعية للاستعمار القديم والجديد، وإعادة الاعتبار للعمق العروبي الإسلامي كحاضنة وحيدة للتنمية المستقلة، والكرامة الوطنية، والعدالة الاجتماعية.

تعليقات
إرسال تعليق