التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف اعلام الامة العربية

تجديد الفهم الإيجابي وتفكيك الجمود: قراءة بنيوية في تفسير "التحرير والتنوير" للشيخ الطاهر بن عاشور بقلم: الناصر خشيني

  مقدمة إن إشكالية التعامل مع التراث التفسيري والمدونات العلمية الإسلامية تفرض علينا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، التسلح بأدوات النقد البنّاء والقراءة التحليلية التفكيكية؛ لتجاوز منطق النقل المطلق أو التمجيد الوعظي البارد، والعبور نحو استكشاف مكامن التجديد الحقيقي الحركي. ومن هذا المنطلق المعرفي، نقارب الأثر التفسيري الفذ لشيخ جامعة الزيتونة، الإمام محمد الطاهر بن عاشور، في مَعلمته الكبرى " التحرير والتنوير ". لم يكن منهج ابن عاشور مجرد استجابة تراكمية لمقتضيات النقل الشرعي، بل كان بنية فكرية معقدة ومتطورة تشكلت في محرق الصراع بين جمود المتأخرين وديناميكية النص القرآني المتجدد، وهو ما يفسر سر الأهمية البالغة التي يحظى بها هذا التفسير في فضاء الفكر الإسلامي المعاصر. لقد أدرك ابن عاشور ، بعقليته الإصلاحية الفذة، أن الاقتصار على سرد المأثور واجترار حواشي السابقين دون إضافة نوعية يعطل فيض القرآن ويسهم في تكريس التكلس الفكري. ومن هنا نفذ في " التحرير والتنوير " بجرأة علمية نادرة تقوم على محورين متكاملين: التحرير (الذي يعني الغربلة والتمحيص النقدي لمدونات السلف) والتنوير (...

طهارة السلاح وزهد القيادة: السيد حسن نصر الله نموذجاً ثورياً في زمن الانكسار العربي بقلم: الناصر خشيني

    في زمن عربي رديء تتكاثر فيه النخب والقيادات التي تخضع للمغريات وتتسابق نحو التبعية وسرقة مقدرات الجماهير، يبرز القادة التاريخيون كمنارات تستمد شرعيتها من طهارة اليد والالتزام الجذري بقضايا الأمة. وبمناسبة ذكرى استشهاد سماحة السيد حسن نصر الله، نجد أنفسنا أمام واجب فكري وأخلاقي لإعطاء هذا القائد الفذ حقه؛ ليس فقط بوصفه قائداً عسكرياً حطم أسطورة "الجيش الذي لا يقهر"، بل كونه قدّم نموذجاً تقدمياً مضاداً لمنظومة الفساد، وأسس لمدرسة نضالية طهرانية استثنائية في التاريخ العربي المعاصر. إن المتأمل في مسيرة السيد نصر الله يدرك فوراً أنه امتلك سيرة ناصعة بلا شبهة فساد مالي أو أخلاقي. في عالم سُحقت فيه تطلعات الشعوب بسبب امتيازات الحكام وثرواتهم وحساباتهم المخفية، عاش هذا الرجل كما يعيش أفقر الناس وأكثرهم كفاحاً، بل كان الزهد جزءاً أصيلاً من تكوينه البنيوي، ولم يكن مجرد خيار سياسي أو تكتيك إعلامي. لم يسرق، ولم يساوم، ولم يبع، ولم يشترِ؛ وهذه النزاهة المطلقة لم تكن تفصيلاً عابراً، بل هي القاعدة الصلبة التي جعلت خطابه الثوري يتجاوز حدود الجغرافيا اللبنانية الضيقة والإطار الأيديولوجي ا...

الدكتور يحيى المشد.. شهيد العلم السيادي ومهندس الحلم النووي العربي المجهض بقلم: الناصر خشيني 

   يمثل عالم الذرة الفذ البروفيسور يحيى المشد (1932 - 1980) طليعة العبقرية العلمية التقدمية التي أدركت مبكراً أن السيادة التكنولوجية والعلمية هي جوهر الاستقلال الوطني الحقيقي . لم يكن المشد أكاديمياً منغلقاً في مختبره، بل كان مقاتلاً استراتيجياً سخر علمه الخارق لبناء القوة الردعية للأمة العربية، مما جعله في المرمى المباشر لأجهزة المخابرات الإمبريالية والصهيونية التي لا تسمح للعقل العربي بكسر طوق التخلف المفروض كولونيالياً. أبعاد الفكر التقدمي والقومي في مسيرة المشد: تأسيس العقل العلمي العربي : تخرج المشد من جامعة الإسكندرية وسافر في بعثة إلى الاتحاد السوفيتي حيث نال الدكتوراه في الهندسة النووية عام 1963 بامتياز وتخصص نادر. وعقب عودته، ساهم بقوة في بناء "هيئة الطاقة الذرية المصرية" في عهد جمال عبد الناصر، مؤمناً بأن الاشتراكية والنهضة الاقتصادية بحاجة إلى طاقة نووية سيادية تقود قاطرة الصناعات الثقيلة والتقدم العلمي الشامل [1، 2]. الانتقال إلى العراق وقيادة البرنامج النووي العروبي : عقب نكسة 1967 ومناخ الركود الذي أصاب المشروع النووي المصري في السبعينيات، بادر المشد مدفوعاً ...

الدكتور عصمت سيف الدولة.. فيلسوف القومية العربية ومنظر جدلية الحرية والوحدة بقلم: الناصر خشيني 

  لم يكن الفيلسوف والمفكر القانوني الكبير الدكتور عصمت سيف الدولة (1923 - 1996) مجرد شارح أيديولوجي للناصرية، بل كان العقل الفلسفي الأعمق الذي صاغ للمرة الأولى نظرية علمية متكاملة للفكر القومي التقدمي. ومن خلال مشروعه المعرفي الفذ "نظرية الثورة العربية" ، نقل سيف الدولة الفكر العروبي من حيز الشعارات الوجدانية والرومانسية إلى مدار التحليل الجدلي العلمي، مبرهناً على التلازم العضوي بين تحرر الإنسان وتحرر الأوطان [1، 2]. أبعاد الفكر التقدمي والقومي في مسيرة سيف الدولة: تأصيل "نظرية الثورة العربية" : أحدث سيف الدولة ثورة في مناهج الفكر القومي بكتابه الموسوعي "نظرية الثورة العربية" بأجزائه المتعددة؛ حيث فكك البنى الاجتماعية والاقتصادية للوطن العربي مستخدماً المنهج الجدلي، وأثبت أن الاشتراكية والوحدة والحرية ليست أهدافاً منفصلة بل هي أقانيم لثورة اجتماعية واحدة لا تتجزأ، معتبراً أن حرية المواطن العربي هي حجر الزاوية لبناء أمة مهابة الجانب [1، 3]. الدفاع عن الحريات ونقد الاستبداد : تميز سيف الدولة بنزاهته وشجاعته الفكرية التقدمية؛ فرغم إيمانه المطلق بالتجربة ...

جدلية الفكر والواقع: كيف مثّلت "نظرية الثورة العربية" السلاح المعرفي المتفوق للطلبة العرب التقدميين بقلم: الناصر خشيني (من جيل التأسيس لفصيل الطلبة العرب التقدميين الوحدويين)

مدخل بصفتي واحداً من جيل التأسيس الذي عايش إرهاصات ولادة فصيل "الطلبة العرب التقدميون الوحدويون" في الساحة الجامعية التونسية، لا يمكنني النظر إلى المنجز الفكري لهذا التيار بمعزل عن التدافع النضالي اليومي. إن تاريخ فصيلنا قد كُتب بمداد الحبر ودماء التضحيات، وهو ما يتراءى بوضوح عند تصفح "الثلاثية التاريخية" التي وثّقت مسيرتنا: كتاب د. سالم لبيض ود. محمد ضيف الله (2017)، وشهادة الأخ بلقاسم الثليجاني (2018)، والدراسة الأعمق للدكتور الناصر المدوري (2023). حين يُعاد النظر اليوم في هذا المسار، لا يكفي وصفه بأنه مجرد تيار طلابي ثالث إلى جانب اليسار الماركسي والتيار الإسلامي. الأدق أن يُقرأ بوصفه تفوقاً معرفياً قائماً على امتلاك أداة نظرية متكاملة، هي "جدلية الفكر والواقع" التي صاغها المفكر القومي العربي الدكتور عصمت سيف الدولة تحت مسمى "نظرية الثورة العربية". أولاً: التأسيس النظري — لماذا كانت الأداة السيفية متفوقة على أدوات المنافسين؟ خاض فصيلنا معركته الفكرية في بيئة استقطبتها أداتان جاهزتان: الماركسية بحتميتها المادية وصراعها الطبقي المستورد، والإسلام...

سلسلة اعلام الامة: الرئيس هواري بومدين.. باني الاشتراكية الوطنية والقلعة العروبية الضاربة بقلم: الناصر خشيني

  لم يكن الرئيس هواري بومدين (1932 - 1978) مجرد زعيم سياسي عابر في تاريخ الجزائر، بل كان مهندساً استراتيجياً وقائداً تقدمياً صاغ نموذجاً فريداً لـ "الدولة الوطنية المهابة". آمن بومدين بأن استقلال الجزائر الناجز لا يكتمل إلا بتحقيق السيادة الاقتصادية الكاملة وبناء قاعدة صناعية اشتراكية، محولاً الجزائر إلى قبلة لحركات التحرر العالمية وقلعة عروبية صلبة لا تساوم على قضايا الأمة [1، 2].   أبعاد الفكر التقدمي والقومي في مسيرة بومدين: تأميم الثروات وبناء القاعدة الصناعية : أدرك بومدين بوعيه التقدمي أن الحرية السياسية تظل منقوصة ما لم تقترن بالتحرر الاقتصادي؛ فقاد في 24 فبراير 1971 ملحمة تأميم المحروقات والنفط من أيدي الشركات الفرنسية المستغلة، موجهاً العائدات لتمويل "الثورة الصناعية" وتأسيس مصانع الحديد والصلب والمركبات، بالتوازي مع "الثورة الزراعية" التي أعادت الأرض للفلاحين الكادحين وبنت لهم آلاف القرى الاشتراكية الحديثة لإنهاء مخلفات الإقطاع الكولونيالي [1، 3]. الالتزام القومي المطلق وفلسطين كبوصلة : لم تكن العروبة عند بومدين شعاراً عاطفياً، بل كانت عقيدة نض...

سلسلة اعلام الامة: الفريق عبد المنعم رياض.. شهيد الخطوط الأولى وباني عقيدة الصمود والاشتباك المباشر بقلم: الناصر خشيني

  يمثل الفريق عبد المنعم رياض (1919 - 1969)، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية الأسبق، نموذجاً فذاً للقائد العسكري المشتبك الذي حطم الصورة التقليدية للجنرالات القابعين في الغرف المكيفة وراء الصفوف. هو تجسيد حي للوعي الناصري المقاوم الذي رفض الاعتراف بالهزيمة عقب نكسة 1967، واضعاً أسس علم الحرب الحديثة القائم على التلاحم العضوي مع الجنود في خنادق المواجهة الأمامية. أبعاد الفكر التقدمي والقومي في مسيرة رياض: إعادة بناء الجيش وعقيدة حرب الاستنزاف : تولى رياض منصب رئيس الأركان في أدق مرحلة تاريخية تمر بها الأمة عقب نكسة يونيو 1967، فخاض بتكليف من الزعيم جمال عبد الناصر معركة صامتة وجبارة لإعادة بناء القوات المسلحة المصرية على أسس علمية متطورة. نجح في تحويل الاستراتيجية العسكرية من "الدفاع الساكن" إلى "الهجوم النشط والإيجابي"، مصمماً خطط حرب الاستنزاف التي أذاقت العدو الصهيوني مرارة الرعب اليومي وفككت أسطورة "الجيش الذي لا يقهر" [1، 2]. التلاحم الميداني والشهادة في الخطوط الأولى : تمثلت اللمسة التقدمية والإنسانية العميقة للجنرال رياض في إيمانه بأن مكان ال...

الدكتور محمد شحرور.. ثورة القراءة المعاصرة وتحرير العقل العربي من إسار الجمود التاريخي بقلم: الناصر خشيني

لا يمكن للأمة العربية أن تحقق نهضتها السياسية والاقتصادية الشاملة أو تنسلخ من مخالب التبعية والإمبريالية ما لم تخض أولاً معركة التحرر الفكري والثقافي الكبرى . وفي قلب هذه المعركة الوجودية، يبرز اسم المفكر السوري الراحل الدكتور محمد شحرور (1938 - 2019) كأحد أهم رواد التثوير المعرفي ومؤشس منظومة "القراءة المعاصرة" للتنزيل الحكيم. إن قراءة مشروع شحرور من منظور قومي تقدمي تكشف عن محاولة جبارة لتفكيك "البنى الفقهية والتفسيرية التقليدية" التي صيغت في ظروف تاريخية وسلطوية بائدة، وإعادة بناء الوعي الجمعي العربي ليتصالح مع منطق العصر والعلم والتطور الاجتماعي.   تفكيك العقل التراثي والتمييز بين "الكتاب" و"القرآن" تمثلت الانطلاقة الكبرى لمشروع شحرور في كتابه التأسيسي الفذ "الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة" (1990). وباعتباره حاصلاً على الدكتوراه في الهندسة المدنية، نقل شحرور أدوات التحليل العلمي والرياضي إلى اللسانيات والعلوم الإنسانية، معتمداً على منهج أبي علي الفارسي والجرجاني في نفي الترادف في اللغة العربية . [ 1 ] من خلال هذا المنهج، أحدث شحرور ق...

الفريق سعد الدين الشاذلي.. باني نصر العبور والخط الناصري المقاوم في وجه الردة الساداتية بقلم: الناصر خشيني

    يمثل الفريق سعد الدين الشاذلي (1922 - 2011)، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية الأسبق، ذروة العبقرية العسكرية العروبية والالتزام القومي الناصري الخالص. لم يكن الشاذلي مجرد جنرال يخطط للمعارك، بل كان مثقفاً مشتبكاً ومفكراً استراتيجياً متميزاً آمن بالعقيدة العسكرية القومية القائمة على المقاومة ورفض التبعية. هو المهندس الفعلي لـ "التوجيه 41" وخطة العبور الفذة التي حطمت [خط بارليف] في حرب أكتوبر 1973 واجتاحت حصون العدو الصهيوني بدقة متناهية. أبعاد الفكر التقدمي والقومي في مسيرة الشاذلي: العقيدة العسكرية الناصرية والتلاحم القومي : تشرب الشاذلي الفكر العروبي في مدرسة جمال عبد الناصر، وكان يؤمن بأن القوة العسكرية لمصر هي درع للأمة العربية جمعاء. تجلى ذلك في قدرته على قيادة التخطيط الحربي بروح تعتمد على الابتكار الهندسي والعسكري لجنود الأمة، بعيداً عن الاستعراض، محققاً أعظم نصر عسكري عربي في العصر الحديث [1، 2]. الصمود في وجه "الردة الساداتية" وتفنيد الثغرة : عندما تدخل الرئيس أنور السادات سياسياً في مسار الحرب وفرض "تطويراً هجومياً" غير مدروس متجاو...

الإمام محمد الطاهر بن عاشور.. رائد المقاصد التنويرية وصوت الحق في وجه تطويع الدين بقلم: الناصر خشيني 

  لم يكن الشيخ محمد الطاهر بن عاشور (1879 - 1973) مجرد فقيه تقليدي ينكفئ على النصوص برؤية جامدة، بل كان مفكراً إصلاحياً لغوياً ومجدداً استراتيجياً أحدث ثورة فكرية من خلال إعادة الاعتبار لـ "مقاصد الشريعة الإسلامية" . قاد بن عاشور، من منبر جامعة الزيتونة المعمورة، معركة شرسة لتحرير العقل المسلح بالوعي والاجتهاد من قيود الجمود، مبرهناً على أن الدين في جوهره يهدف إلى حفظ مصالح الأمة وعزتها وتقدمها الاجتماعي. أبعاد الفكر التقدمي والموقف التاريخي لابن عاشور: تأسيس علم المقاصد الاجتماعي : تمثلت عبقرية بن عاشور في كتابه الفذ "مقاصد الشريعة الإسلامية" ، حيث فصل هذا العلم عن علم أصول الفقه التقليدي، وجعله أداة حية لفهم الواقع وتحقيق العدالة الاجتماعية وحرية الإنسان، مبرزاً أن الشريعة تهدف إلى بناء مجتمع قوي ومتماسك يرفض الاستبداد والجهل [1، 2]. موقف المنبر الشهير (صدق الله وكذب بورقيبة) : تجسد الشموخ المبدئي لابن عاشور في مطلع الستينيات، عندما حاول رئيس تونس الأسبق الحبيب بورقيبة تطويع المؤسسة الدينية لتبرير خياراته الاقتصادية؛ حيث دعا الشعب إلى إفطار شهر رمضان بدعوى زياد...