التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تجديد الفهم الإيجابي وتفكيك الجمود: قراءة بنيوية في تفسير "التحرير والتنوير" للشيخ الطاهر بن عاشور بقلم: الناصر خشيني


 مقدمة

إن إشكالية التعامل مع التراث التفسيري والمدونات العلمية الإسلامية تفرض علينا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، التسلح بأدوات النقد البنّاء والقراءة التحليلية التفكيكية؛ لتجاوز منطق النقل المطلق أو التمجيد الوعظي البارد، والعبور نحو استكشاف مكامن التجديد الحقيقي الحركي. ومن هذا المنطلق المعرفي، نقارب الأثر التفسيري الفذ لشيخ جامعة الزيتونة، الإمام محمد الطاهر بن عاشور، في مَعلمته الكبرى "التحرير والتنوير". لم يكن منهج ابن عاشور مجرد استجابة تراكمية لمقتضيات النقل الشرعي، بل كان بنية فكرية معقدة ومتطورة تشكلت في محرق الصراع بين جمود المتأخرين وديناميكية النص القرآني المتجدد، وهو ما يفسر سر الأهمية البالغة التي يحظى بها هذا التفسير في فضاء الفكر الإسلامي المعاصر.
لقد أدرك ابن عاشور، بعقليته الإصلاحية الفذة، أن الاقتصار على سرد المأثور واجترار حواشي السابقين دون إضافة نوعية يعطل فيض القرآن ويسهم في تكريس التكلس الفكري. ومن هنا نفذ في "التحرير والتنوير" بجرأة علمية نادرة تقوم على محورين متكاملين: التحرير (الذي يعني الغربلة والتمحيص النقدي لمدونات السلف) والتنوير (الذي يعني فتح مغاليق العقل بوعي قيمي ومقاصدي حديث يخاطب أسئلة الراهن).
عتبات البناء المعرفي: تفكيك المقدمات العشر
قبل أن يلج ابن عاشور إلى هندسة التفسير التطبيقي، أراد بناء فضاء إبستمولوجي صلب، فصاغ عشر مقدمات علمية لا تمثل مجرد تمهيد تقليدي، بل هي مانيفستو نقدي حدد فيه منطلقات الفهم الإيجابي للقرآن:
  • المقدمة الأولى (التفسير والتأويل): فكك فيها المفاهيم، مميزاً بين حد التفسير وشروط التأويل، ليرفع اللبس عن حدود العمل العقلاني في النص.
  • المقدمة الثانية (استمداد علم التفسير): حدد الروافد المعرفية التي يتغذى منها المفسر، رابطاً التفسير بالعلوم الحية لا بالنقول الميتة.
  • المقدمة الثالثة (صحة التفسير بغير المأثور): شكلت شرعنة حقيقية للاجتهاد العقلي، وكسرت احتكار النقل التاريخي لفتح باب التدبر المتجدد.
  • المقدمة الرابعة (غرض المفسر): وجه فيها بوصلة المفسر نحو بيان مقاصد القرآن وهدايته، وليس الغرق في التفاصيل الجانبية.
  • المقدمة الخامسة (أسباب النزول): أعاد قراءة أسباب النزول مبيناً أنها قرائن سياقية لا تعطل عموم اللفظ وإطلاقه المعرفي.
  • المقدمة السادسة (القراءات): قرر فيها أن القراءات تعدد في وجوه الإعجاز والبلاغة، وليست مجرد اختلافات صوتية أو خلافية.
  • المقدمة السابعة (قصص القرآن): فكك البنية السردية للقرآن، مؤكداً أن الغرض منها هو العبرة والموعظة وسنن التاريخ، لا السرد الإخباري الجاف.
  • المقدمة الثامنة (إعجاز القرآن): تجاوز الرؤى الضيقة للإعجاز، ليربطه بالنظم والبلاغة المتكاملة وعمق المعاني الإنسانية.
  • المقدمة التاسعة (اشتمال القرآن على علوم أخرى): أصل فيها لكيفية احتواء القرآن على كليات العلوم الإنسانية والكونية دون تزيّد أو تكلف.
  • المقدمة العاشرة (مناهج التفسير السابقة والمصطلحات): كانت ممارسة نقدية بامتياز، شَرّح فيها جهود من سبقه، وكشف مواطن الخلل والتقليد في مسارات التفسير التاريخي.
أولاً: الثورة البيانية والجانب اللغوي النظمي
في تفكيكه للبنية اللغوية، لا يقف ابن عاشور عند عتبات الإعراب التقليدي الجاف، بل يتجاوزه ليوظف علوم البلاغة الثلاثة (المعاني والبيان والبديع) ضمن نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني. يتجلى هذا التجديد اللغوي لديه في نقاط مفصلية:
  • بلاغة السياق والاتساق: ينظر إلى الكلمة القرآنية داخل تراكيبها وعلاقاتها العضوية بالآيات المحيطة بها، مستخرجاً أسرار التعبير الإعجازي ودقائقه المعرفية، مما يمنع اجتزاء النصوص وعزلها عن سياقها الحي.
  • التحرر من سلطة النحاة الكلاسيكية: تميز المنهج بنبذ المحاكاة؛ فلم يسلم بآراء اللغويين القدامى تسليماً مطلقاً، بل كان يناقش، ويزن، ويختار أمتن المعاني اللغوية التي تخدم السياق القرآني وتتسق مع جلاله، واضعاً العقل حكماً بين الآراء النحوية المتعارضة.
  • التوجيه البياني للقراءات: لم تكن القراءات القرآنية عنده ترفاً علمياً أو مجرد سرد أدائي، بل وظف القراءات العشر (معتمداً قراءة إمام المدينة نافع بروايتي قالون وورش كأصل ينطلق من بيئته التونسية الزيتونية) لتوجيه المعاني واستنباط أبعاد تشريعية وبلاغية تتعدد بتعدد القراءات.
ثانياً: ريادة الهندسة المقاصدية والأصولية
إن الانتقال من جزئيات النص إلى كليات الشريعة هو الملمح الأبرز في مشروع ابن عاشور. وباعتباره مجدداً لـ "علم مقاصد الشريعة الإسلامية"، صاغ تفسيره بعقلية أصولية قاضية بترتيب الأحكام وفق الحِكم والمصالح الكبرى:
  • ربط الفروع بالأصول الكلية: جرى ربط التوجيهات القرآنية بالضروريات الخمس (حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال) لتتحرك الآيات في فلك جلب المصالح ودرء المفاسد، مما يحول الفقه من نصوص جامدة إلى روح متحركة تلبي مصلحة الإنسان.
  • مراعاة المقاصد الإجمالية للسور: قبل ولوجه في تراكيب الآيات، يفرد ابن عاشور في مطلع كل سورة قراءة تمهيدية تفكك مقاصدها وغاياتها الكبرى وهيكلها العام، لتعمل بمثابة بوصلة تفسيرية للقارئ والمحلل تمنع التشتت الفكري.
  • الاجتهاد الفقهي الحر: تجاوز ابن عاشور ربقة التعصب المذهبي؛ فبالرغم من استيعابه العميق للفقه المالكي وتوطنه المغاربي، إلا أنه ناقش المسائل الفقهية بعقل المجتهد المستقل، مرجحاً ما قوي دليله وتوافق مع روح التشريع الكلية، متجاوزاً الانكفاء المذهبي الضيق.
ثالثاً: التناسب البنيوي وتنقية المادة التفسيرية
منهجياً، اعتمد المقال التفسيري عند ابن عاشور على صياغة علاقات التناسب والوحدة الموضوعية ونظم السور؛ حيث تظهر السورة لديه كبنية واحدة متماسكة الأجزاء والمقاطع، متجاوزاً بذلك التفتيت اللفظي الذي عاب بعض التفاسير القديمة وجعلها تبدو كجمل منقطعة الصلة.
وفي ذات السياق النقدي، وقف ابن عاشور موقفاً حازماً تجاه الروايات الدخيلة والقصص الإسرائيلي الخرافي الذي حُشيت به المدونات التاريخية والتفسيرية السابقة، فعمد إلى تمحيص الأخبار وغربلتها وفق معايير عقلية وتاريخية صارمة، مستبعداً كل ما يصطدم ببديهيات العقل، أو حقائق العلم، أو بعصمة الأنبياء، مما أضفى على التفسير طابعاً علمياً نقياً.
رابعاً: الأبعاد الاجتماعية والنزعة الإصلاحية
لم يكن "التحرير والتنوير" وليد خلوة تأملية باردة أو عزلة أكاديمية، بل جاء استجابة حية لإكراهات الواقع وحركة النهضة الإسلامية الحديثة في تونس والعالم الإسلامي. ومن هنا، نلمس النزعة الاجتماعية والإصلاحية في ثنايا تحليله؛ إذ تجنب الإغراق في الجدليات الكلامية العقيمة والمباحث الفلسفية المعقدة التي لا طائل من ورائها، موهّباً طاقة التفسير لخدمة هداية القرآن، ومعالجة مشكلات المجتمع المعاصر، وبناء أصول النظام الاجتماعي في الإسلام الذي يضمن كرامة الإنسان وحريته.
خاتمة نقديّة
إن أهمية تفسير "التحرير والتنوير" تكمن في كونه وثيقة تاريخية وعلمية تثبت أن التجديد لا يعني هدم التراث، بل يعني إعادة قراءته واستنطاقه بأدوات منهجية حية وعميقة. لقد قدّم الطاهر بن عاشور نموذجاً معرفياً يحتذى في كيفية تحرير العقل وتنوير الفهم، ليظل أثره منارة فكرية تلهم الباحثين والنقاد الساعين إلى فك الارتباط بين جوهر الدين الحي وبين قوالب التقليد الجامدة، مؤكداً أن النص القرآني يظل قادراً على العطاء وقيادة الإنسانية نحو الرقي والتحرر كلما تخلص المفسر من قيود النقل الأعمى والاجترار

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...