طهارة السلاح وزهد القيادة: السيد حسن نصر الله نموذجاً ثورياً في زمن الانكسار العربي بقلم: الناصر خشيني
في زمن عربي رديء تتكاثر فيه النخب والقيادات التي تخضع للمغريات وتتسابق نحو التبعية وسرقة مقدرات الجماهير، يبرز القادة التاريخيون كمنارات تستمد شرعيتها من طهارة اليد والالتزام الجذري بقضايا الأمة. وبمناسبة ذكرى استشهاد سماحة السيد حسن نصر الله، نجد أنفسنا أمام واجب فكري وأخلاقي لإعطاء هذا القائد الفذ حقه؛ ليس فقط بوصفه قائداً عسكرياً حطم أسطورة "الجيش الذي لا يقهر"، بل كونه قدّم نموذجاً تقدمياً مضاداً لمنظومة الفساد، وأسس لمدرسة نضالية طهرانية استثنائية في التاريخ العربي المعاصر.
إن المتأمل في مسيرة السيد نصر الله يدرك فوراً أنه امتلك سيرة ناصعة بلا شبهة فساد مالي أو أخلاقي. في عالم سُحقت فيه تطلعات الشعوب بسبب امتيازات الحكام وثرواتهم وحساباتهم المخفية، عاش هذا الرجل كما يعيش أفقر الناس وأكثرهم كفاحاً، بل كان الزهد جزءاً أصيلاً من تكوينه البنيوي، ولم يكن مجرد خيار سياسي أو تكتيك إعلامي. لم يسرق، ولم يساوم، ولم يبع، ولم يشترِ؛ وهذه النزاهة المطلقة لم تكن تفصيلاً عابراً، بل هي القاعدة الصلبة التي جعلت خطابه الثوري يتجاوز حدود الجغرافيا اللبنانية الضيقة والإطار الأيديولوجي الخاص، لينفذ مباشرة إلى وجدان الأحرار والعرب جميعاً من المحيط إلى الخليج.
ولعل أسمى تجليات هذه المدرسة الأخلاقية والثورية هي العقيدة العملية التي جسدها بتقديم ابنه البكر، هادي نصر الله، شهيداً في مواجهة جيش الاحتلال الصهيوني عام 1997. لقد كسر السيد بهذه التضحية الكبرى النمط التقليدي للزعامات التي تدفع بأبناء الفقراء إلى المتاريس بينما ينعم أبناؤها بالامتيازات في العواصم الغربية. وعندما استقبل نبأ الاستشهاد برأس مرفوع وثبات أسطوري، برهن للأمة بأسرها أن القائد الحقيقي هو من يتقدم الصفوف ويجود بأعز ما يملك قرباناً على مذبح التحرير الوطني، واضعاً عائلته في ذات الكفة التي يقف عليها أبناء شعبه من الكادحين والمقاومين.
ومن مآثر هذه الشخصية الفذة، والتي سيسجلها التاريخ كظاهرة سيكولوجية وسياسية فريدة، هي "المصداقية المطلقة" التي فرضها على جبهة الأعداء. فرغم العداوة الوجودية والصراع الدامي، كان الصهاينة ومستوطنوهم وقادتهم يصدقون كلمات حسن نصر الله ووعوده أكثر مما يصدقون روايات قياداتهم السياسية والعسكرية. لقد أدرك العدو قبل الصديق أن خطاباته لم تكن دغدغة للعواطف أو استهلاكاً شعبوياً، بل كانت تقارير ميدانية صادقة ومعادلات ردع تُترجم بالبارود والدم. هذه القدرة على تدمير الحرب النفسية للعدو بالصوت والكلمة الصادقة كانت سلاحاً استراتيجياً متقدماً أعاد الثقة للإنسان العربي بقدرته على الفعل والمواجهة والانتصار.
إن رحيل السيد حسن نصر الله في معركة الدفاع عن فلسطين والأمة لا يمثل نهاية المطاف، بل هو اكتمال لنهج ومدرسة ثورية مستمرة. إنه النموذج القومي والتقدمي الذي يؤكد أن المقاومة ليست مجرد بندقية، بل هي منظومة قيم متكاملة قوامها النزاهة، والانحياز التام للفقراء والمستضعفين، ورفض التنازل عن شبر واحد من الحقوق العربية التاريخية. ستبقى ذكراه وساماً على صدر الأحرار، وشاهداً حياً على أن إرادة الشعوب، حين تتسلح بالصدق والنزاهة، تظل أقوى من كل ترسانات الطغيان.

تعليقات
إرسال تعليق