التخطي إلى المحتوى الرئيسي

صعدة.. قلعة الجبال وحصن الثقل السياسي والعسكري لشمال اليمن بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
تقع مدينة صعدة في أقصى الشمال اليمني، وهي حاضرة تاريخية موغلة في القدم أسسها كنعانيون وقبائل يمنية أصيلة، وعُرفت تاريخياً بكونها مركزاً علمياً ودينياً كبيراً ومحطة رئيسية على طريق القوافل القديم بين اليمن والحجاز. تحصنت المدينة عبر العصور بسورها الطيني العظيم وجبالها الشاهقة التي منحتها حصانة طبيعية في وجه الحملات الخارجية. وتمثل صعدة معقلاً تاريخياً لقبائل خولان وهمدان، وموطناً للعديد من الأئمة والحركات التي صاغت الجغرافيا السياسية والعسكرية لليمن عبر التاريخ الإسلامي والحديث.
أهم معالمها
يتربع "سور صعدة التاريخي" المصنوع من الطين والتبن كأبرز الشواهد المعمارية والدفاعية الفريدة التي أحاطت بالمدينة القديمة لقرون. وتضم المدينة "جامع الهادي" الأثري الذي أسسه الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين في القرن الثالث الهجري، ويمثل مركز الإشعاع الفكري والديني للمنطقة، بالإضافة إلى "قلعة السنارة" الشامخة فوق قمة الجبل، والأسواق التراثية القديمة التي تحكي قصة أصالة الإنسان اليمني وتجذره في صخور الشمال.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
سجلت صعدة في التاريخ الحديث والقرن الحالي مكانة استثنائية كمركز الثقل الرئيسي لحركة "أنصار الله" (الحوثيين). خاضت المدينة حروباً شرسة ضد السلطة المركزية والقوى الإقليمية، وتجلت ذروة بأسها العسكري في حرب عام 2009 (الحرب السادسة)؛ فحين امتدت المعارك إلى الحدود، تمكن مقاتلو الحركة من اجتياح والسيطرة على مواقع برية وعرة داخل الأراضي السعودية، وأسر عدد من الجنود والضباط في ملاحم قتالية جبلية قاسية أذهلت المراقبين العسكريين. ومنذ ذلك الحين، ورغم تعرضها لأعنف الغارات الجوية والحصار الخانق في السنوات اللاحقة، بقيت صعدة القلعة الحصينة والغرفة العملياتية التي انطلقت منها معادلات الردع العسكري في مواجهة التحالفات الدولية والغطرسة الصهيو-أمريكية في المنطقة.
خاتمة
إن صعدة تظل النموذج الحي لقلعة الجبال التي لا تُقهر وموطن البأس اليماني الشديد؛ فصخورها الشامخة وجدران مساجدها التاريخية تعلن للعالم أن إرادة القتال المنبثقة من عقيدة الأرض لا تكسرها أحدث الطائرات، وأن صعدة ستبقى رقماً صعباً وحصناً منيعاً في جغرافيا المقاومة والتحدي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...