التخطي إلى المحتوى الرئيسي

من القضايا المسكوت عنها:المدن والبلدات الصحراوية الخاضعة لسيطرة جبهة البوليساريو بقلم الناصر خشيني

 


مقدمة عامة عن الوضع الحالي
تسيطر جبهة البوليساريو فعليًا على الجزء من أراضي الصحراء الغربية الواقع شرق الجدار العسكري المغربي المعروف بـ"البِرْم"، وتُطلق على هذه المنطقة تسمية "المناطق المحررة" أو "المنطقة الحرة"، في حين يصفها المغرب بـ"المنطقة العازلة"¹. وهذا الخلاف في التسمية نفسه جزء من نزاع سياسي وقانوني أوسع لم يُحسم بعد حول مصير الإقليم.
تبلغ نسبة الأراضي الخاضعة لسيطرة البوليساريو نحو 30% من مساحة الصحراء الغربية الإجمالية، مقابل سيطرة مغربية على النسبة المتبقية البالغة نحو 70%، وهي نسب تكاد تكون ثابتة منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في سبتمبر 1991². يمتد الجدار الفاصل بين الجانبين لمسافة تتراوح بين 2200 و2700 كيلومتر، وهو محاط بحقول ألغام، وتراقبه بعثة الأمم المتحدة لتنظيم الاستفتاء في الصحراء الغربية (مينورسو) على جانبيه³.
من الناحية السكانية، تُقدَّر أعداد سكان المنطقة الحرة بما بين 30 و40 ألف نسمة فقط، وهم في الغالب بدو رحّل يمارسون رعي الإبل التقليدي، إلى جانب عناصر جيش التحرير الشعبي الصحراوي، نظرًا لقسوة المناخ ووعورة المنطقة وانتشار الألغام فيها⁴. في المقابل، يعيش القسم الأكبر من اللاجئين الصحراويين، ويقدَّر عددهم بنحو 250 ألف شخص، في مخيمات تندوف بالجزائر⁵.
العاصمة المعلنة للجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية هي مدينة العيون، غير أنها تقع تحت السيطرة المغربية؛ لذلك اتُّخذت بئر لحلو عاصمة مؤقتة عند إعلان الجمهورية عام 1976، قبل أن تنتقل العاصمة المؤقتة رسميًا إلى تيفاريتي في 27 فبراير 2008، فيما تُدار الشؤون اليومية عمليًا من مخيمات تندوف⁶.
دوليًا، تعتبر الأمم المتحدة جبهة البوليساريو الممثل الشرعي للشعب الصحراوي، وتحظى الجمهورية الصحراوية باعتراف نحو 45 دولة عضوًا في الأمم المتحدة وبعضوية كاملة في الاتحاد الأفريقي⁷. غير أن مواقف عدد من الدول تطورت في الاتجاه المعاكس مؤخرًا: ففي يونيو 2025 غيّرت المملكة المتحدة موقفها لتؤيد مقترح الحكم الذاتي المغربي⁸، وفي أبريل 2025 كرر وزير الخارجية الأمريكي اعتراف الإدارة الأمريكية بالسيادة المغربية على الإقليم واعتبار مقترح الحكم الذاتي "الأساس الوحيد" لحل النزاع⁹، كما أعلنت مالي في أبريل 2026 دعمها لهذا المقترح وسحب اعترافها بالجمهورية الصحراوية¹⁰. في المقابل، أعلنت جبهة البوليساريو في نوفمبر 2020 إنهاء وقف إطلاق النار الذي كان ساريًا منذ 1991، وسجّلت الأمم المتحدة منذ ذلك الحين ما وصفته بـ"أعمال عدائية منخفضة الحدة" بين الطرفين¹¹.
ملاحظة منهجية: لا تتوفر إحصاءات سكانية أو مساحية دقيقة وحديثة لكل بلدة على حدة، كونها مناطق نائية شبه خالية من السكان المدنيين ولم تشهد تعدادًا رسميًا موثوقًا منذ عقود؛ لذا تبقى بعض الأرقام الواردة أدناه (خصوصًا الخاصة بعام 1975) أرقامًا تاريخية سابقة لاندلاع الحرب.
أكوانيت
مدينة تقع قرب الحدود الجنوبية الشرقية للصحراء الغربية مع موريتانيا، خاضعة لسيطرة جبهة البوليساريو، وتضم مقر بعثة مينورسو. استضافت احتفالات الذكرى 27 لاندلاع الكفاح المسلح في مايو 2000، وعرضًا عسكريًا في يونيو 2006، كما شهدت افتتاح مستشفى بتمويل باسكي ومحطة تحلية مياه بتمويل أندلسي ومركز اتصالات، إلى جانب وضع حجر أساس لمدرسة ومقر بلدية.
أمغالة
قرية تقع جنوب السمارة وغرب تيفاريتي، على بعد أميال من الحدود الموريتانية، من المناطق المحررة الخاضعة لسيطرة البوليساريو. شهدت مواجهات عدة بين المغرب والبوليساريو والجزائر خلال الحرب، من بينها المواجهة المباشرة الوحيدة بين الجيشين الجزائري والمغربي منذ 1963، في يناير وفبراير 1976. قُدّر عدد سكانها قبل الحرب بنحو 2000 نسمة (رقم تاريخي).
بئر لحلو (بير لحلو)
تعني تسميتها "مصدر المياه العذبة". في 27 فبراير 1976 أُعلنت منها الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، واتُّخذت عاصمة مؤقتة حتى تحرير العيون، قبل أن تُنقل العاصمة رسميًا إلى تيفاريتي عام 2008. وهي مقر المنطقة العسكرية الخامسة، وشهدت احتفالات الذكرى 34 لتأسيس الجمهورية.
بئر تيريسيت
قرية صحراوية تحت سيطرة جبهة البوليساريو، من نقاط الوجود العسكري والمدني المحدود في المنطقة الحرة.
دوكاج
منطقة تقع جنوب الصحراء الغربية، في منتصف الطريق تقريبًا بين أكوانيت والجدار العسكري المغربي، تحت سيطرة جبهة البوليساريو.
مهيرس
منطقة تقع شمال الصحراء الغربية قرب الحدود مع موريتانيا، خاضعة لسيطرة البوليساريو، وبها مركز مراقبة تابع لمينورسو. وهي مقر المنطقة العسكرية الرابعة.
ميجك
منطقة في النصف الجنوبي من الصحراء الغربية تحت سيطرة البوليساريو وإشراف مينورسو. استضافت في مايو 2007 احتفالات الذكرى 34 لاندلاع الكفاح المسلح بحضور الرئيس الصحراوي ووفود أجنبية. وهي مقر المنطقة العسكرية الثالثة.
تيفاريتي
بلدة تقع بين السمارة (على بعد نحو 50 كم) وتندوف الجزائرية (نحو 90 كم). سمّتها البوليساريو العاصمة الثانية للجمهورية بعد بئر لحلو، ثم أصبحت رسميًا العاصمة المؤقتة منذ 27 فبراير 2008. بلغ عدد سكانها نحو 7000 نسمة عام 1975 (رقم تاريخي سابق للحرب)، تراجع بشدة بعد 1976، وتبادل الطرفان السيطرة عليها قبل أن تستقر بيد البوليساريو نهائيًا في مارس 1979. في 20 أغسطس 1991 قصف الطيران المغربي البلدة وآبار مياهها عشية وقف إطلاق النار. وهي مقر المنطقة العسكرية الثانية، ونُظّم فيها لأول مرة عرض عسكري لذكرى ميلاد الجمهورية.
زوك
منطقة تقع في الطرف الجنوبي من الصحراء الغربية قرب الحدود مع موريتانيا، ضمن أراضي البوليساريو، ومرتبطة باتفاق توأمة مع أربع مدن إسبانية. وهي مقر المنطقة العسكرية الأولى.
خلاصة
تبقى هذه البلدات جزءًا من "المنطقة الحرة" الخاضعة عمليًا لسيطرة جبهة البوليساريو منذ اتفاق وقف إطلاق النار عام 1991، وسط نزاع دولي مستمر حول الوضع القانوني للإقليم، وتحولات دبلوماسية متسارعة لصالح الطرح المغربي من جهة، وتصعيد عسكري متقطع منذ نهاية 2020 من جهة أخرى.
الهوامش
موسوعة ويكيبيديا الإنجليزية، مقال "Free Zone (region)".
موسوعة ويكيبيديا الإنجليزية، مقال "Western Sahara".
المرجع نفسه؛ وكذلك مكتبة مجلس العموم البريطاني (House of Commons Library)، ملف "Western Sahara".
منظمة حقوق الأقليات الدولية (Minority Rights Group)، صفحة "Western Sahara".
تقرير "In Limbo in the Saharan 'Free Zone'"، موقع ReliefWeb.
موسوعة ويكيبيديا الإنجليزية، مقال "Sahrawi Arab Democratic Republic".
المرجع نفسه.
مكتبة مجلس العموم البريطاني، ملف "Western Sahara" (تحديث 2026).
المرجع نفسه، نقلًا عن تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، أبريل 2025.
راديو فرنسا الدولي (RFI)، تقرير بالفرنسية، 10 أبريل 2026.
مكتبة مجلس العموم البريطاني، ملف "Western Sahara" (تحديث 2026).

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...