التخطي إلى المحتوى الرئيسي

خارطة الطريق اليمنية: ورقة توقّفت عند حدود النوايا بقلم الناصر خشيني



مدخل: سلامٌ يُكتب على الورق ولا يُصرف في الواقع

ثمة مفارقة تكاد تلخّص عبثية السياسة في هذا الشرق المنهك: حربٌ استمرت قرابة عقد كامل، أنهكت شعباً بأكمله، ثم يُعلن فجأة أن ثمة "خارطة طريق" ترسم مساراً واضحاً للخروج منها — وقف نار، رفع حصار، صرف مرتبات، توحيد بنك مركزي، خروج قوات أجنبية، حوار وطني، إعمار — كل هذا موثّق ومرتّب على مراحل زمنية دقيقة: ستة أشهر، ثم ستة أشهر أخرى، ثم سنتان للحل الشامل. وفجأة أيضاً، يتبخر كل هذا الترتيب الأنيق في دهاليز المماطلة والتسويف، وتبقى الورقة حبراً على ورق بينما يستمر اليمنيون في العيش بلا رواتب، وبلا مطارات مفتوحة بالكامل، وبلا أفق سياسي.

بين النية المعلنة والفعل المؤجَّل

الخارطة التي بلورتها الوساطة العُمانية عام 2023، وتبنّتها لاحقاً جهود أممية بقيادة المبعوث الخاص هانس غروندبرغ، لم تكن يوماً وثيقة نظرية. لقد ترجمت زيارات متبادلة، ومشاورات في مسقط والرياض، بل وتصريحات رسمية سعودية وصفت الخارطة بأنها "جاهزة". غير أن الجاهزية على الورق شيء، والالتزام بالتنفيذ على الأرض شيء آخر تماماً. فبعد ثلاث سنوات كاملة من الإعلان عن هذه الخارطة، ما تزال بنودها الأكثر حساسية — توحيد الإيرادات، خروج القوى الأجنبية، الحوار السياسي الشامل — معلّقة في انتظار "الظرف المناسب" الذي لا يأتي أبداً.

من يعطّل، ومن يستفيد من التعطيل؟

الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الرواية هنا ليست أحادية كما تروّج بعض الأدبيات: فالحكومة اليمنية المعترف بها دولياً حمّلت في أكثر من مناسبة صنعاء مسؤولية التصعيد وعدم الاستفادة من فرصة الخارطة، بينما ترى أطراف أخرى أن الرياض هي من تسحب قدميها كلما اقترب موعد استحقاق جوهري، مفضّلة "تعليق الحرب" على إنهائها فعلياً، لأن استمرار حالة اللا-حرب واللا-سلم يحفظ لها هامش مناورة إقليمية لا تريد التفريط فيه. المبعوث الأممي نفسه وصف المسار، بعد عامين من الحديث عنه، بأنه "معطّل بالكامل"، في غياب — كما قال — شريك تفاوضي حقيقي وملموس.

وبين هذا وذاك، يبقى الثابت الوحيد هو أن اليمني العادي هو من يدفع الفاتورة: موظف بلا راتب، ومريض بلا دواء يصل عبر ميناء مقيَّد، ومسافر يخضع لتفتيش وتأخير في مطار لم تُرفع عنه القيود بالكامل رغم مرور سنوات على "الاتفاق" المزعوم.

خاتمة: السلام حين يتحول إلى أداة مماطلة

لا يمكن الحديث عن خارطة طريق حقيقية للسلام حين تتحول بنودها إلى ورقة ضغط تتقاذفها الأطراف كل بحسب مصلحته الآنية. فإما أن يُترجم التوقيع إلى التزام، بجدول زمني ملزم ورقابة دولية فعلية، أو يُعترف صراحة بأن ما جرى لم يكن أكثر من هدنة تكتيكية أُريد لها أن تبدو سلاماً. والفارق بين الاثنين ليس تفصيلاً لغوياً، بل هو الفارق بين شعب يستعيد كرامته ووطنه، وشعب يُترك ينتظر إلى أجل غير مسمى.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...