قائمة المدونات الإلكترونية

الاثنين، 6 يوليو 2026

سلسلة اعلام الامة : جمال الدين الأفغاني.. موقظ الشرق وعرّاب الجامعة الإسلامية بقلم الناصر خشيني



سلسلة مقالات: أعلام الأمة العربية - حركة التاريخ والوعي
​مقدمة
​في القرن التاسع عشر، كان العالم العربي والإسلامي يمر بأحلك فتراته؛ فالدولة العثمانية تعاني التفكك، والاستعمار الغربي يمد أظفاره في جسد الأمة، والجهل والجمود الفكري يخيمان على العقول. في هذا الفضاء القاتم، ظهر كالنجم الثاقب رجل هزّ عروش السلاطين، وأيقظ همم الشعوب، واعتبرته بريطانيا أخطر أعدائها في الشرق؛ إنه السيد جمال الدين الأفغاني، الفيلسوف الثائر الذي جعل من الفكر سلاحاً، ومن الإصلاح الديني والسياسي قضية حياة.
​أولاً: لغز النشأة والتحول الموسوعي
​تكتنف سيرة الأفغاني المبكرة تفاصيل لطالما كانت محط نقاش أكاديمي واسع:
​جدل الموطن الأصلي: هناك رأيان شهيران حول أصله؛ الأول وهو ما اشتهر به وعرّف به نفسه أنه وُلد في "أسعد آباد" بأفغانستان لأسرة ينتهي نسبها إلى الحسين بن علي رضي الله عنهما. والرأي الثاني الذي يرجحه بعض المؤرخين المحدثين استناداً إلى وثائق رسمية أنه وُلد في "أسعد آباد" بإيران ونشأ في بيئة شيعية، ولكنه تلقب بـ "الأفغاني" ليتجاوز الحساسيات المذهبية في العالم الإسلامي السني ويسهل تحركه بين عواصمه.
​التعليم الموسوعي العابر للحدود: تلقى تعليماً دينياً وفلسفياً عميقاً في أفغانستان وإيران والعراق (النجف)، ولم يكتف بالعلوم الشرعية التقليدية، بل درس الفلسفة، والمنطق، والتاريخ، والرياضيات، والفلك. ثم سافر إلى الهند في شبابه، وهناك اطلع على العلوم الحديثة الغربية واللغة الإنجليزية، مما خلق لديه صدمة حضارية مبكرة قادته إلى نتيجة واحدة: "الشرق يجب أن يستيقظ ويثور".
​ثانياً: الفلسفة والمنهج الإصلاحي (الجامعة الإسلامية)
​لم يكن الأفغاني مصلحاً تقليدياً يكتفي بالوعظ، بل كان فيلسوفاً حركياً تمحورت فلسفته حول ثلاثة ركائز أساسية:
​فكرة "الجامعة الإسلامية": رأى الأفغاني أن الرابطة الدينية والثقافية المشتركة هي الدرع الوحيد القادر على صد التمدد الاستعماري (البريطاني والفرنسي). ولم يكن يدعو إلى دولة دينية استبدادية، بل إلى اتحاد سياسي متين بين الأقطار الإسلامية يجمع شتاتها ويحفظ سيادتها.
​التحرر من الجمود والتواكل: هاجم بشدة التفسيرات القاصرة للدين والقدرية التي تكرس الخنوع للحكام المستبدين. وطالب بفتح باب "الاجتهاد" وإحياء العقل، معتبراً أن الإسلام في جوهره دين حرية، وعلم، وحركة.
​مزاوجة الفلسفة بالعمل السياسي: كان يؤمن أن العلم بلا حركة موت، والحركة بلا علم عشوائية. لذلك، كان فكره يترجم فوراً إلى تنظيمات سرية، وصحف، وخطب في المقاهي والمحافل.
​ثالثاً: الأثر الحركي والثوري (الرحالة المتمرد)
​عاش الأفغاني حياة أشبه برواية بوليسية سياسية، حيث تنقل بين كبريات العواصم مشعلاً للثورات:
​المحطة المصرية (1871 - 1879): تعتبر العصر الذهبي لأثره. في القاهرة، التف حوله نوابغ الشباب (مثل محمد عبده، وسعد زغلول، وأديب إسحاق). أسس مجالس الفكر، ودخل المحافل الماسونية (قبل أن ينفصل عنها بعد اكتشافه لأهدافها السياسية الاستعمارية)، وأسس محفلاً وطنياً قاد الحراك الشعبي والوعي السياسي الذي مهد لاحقاً للثورة العرابية، مما دفع الخديوي إسماعيل ثم توفيق إلى نفيّه من مصر.
​المحطة الباريسية وجريدة "العروة الوثقى" (1884): التقى بتلميذه الإمام محمد عبده في باريس، وأصدرا معاً جريدة "العروة الوثقى". رغم أنها لم تصدر سوى لشهور قليلة (18 عدداً) بسبب حظرها من قبل المخابرات البريطانية، إلا أنها كانت بياناً ثورياً أيقظ الوعي من المغرب إلى الهند.
​المحطة الإيرانية وثورة التنباك: زار إيران بدعوة من الشاه ناصر الدين، لكن فكره التحرري أرعب الشاه فنفاه. من منفاه في لندن، حرك الأفغاني العلماء والجماهير في إيران عبر رسائله الشهيرة، مما أدى لاندلاع "ثورة التنباك" (مقاطعة التبغ) التي كسرت الاحتكار البريطاني وهزت عرش الشاه.
​المحطة الأخيرة في إسطنبول (1892 - 1897): استدعاه السلطان عبد الحميد الثاني للاستفادة من مشروعه (الجامعة الإسلامية)، لكن نفوذ الأفغاني الفكري وكاريزمته الطاغية أخافت السلطان، ففرض عليه إقامة جبرية مقنعة ("القفص الذهبي") حتى توفي بمرض السرطان (وهناك شكوك تاريخية حول تسميمه) عام 1897.
​رابعاً: الأثر التاريخي والنقد الأكاديمي
​تكمن عبقرية الأفغاني التاريخية في أنه "البذرة الأولى" التي تفرعت منها جل التيارات الفكرية والسياسية في العالم العربي والإسلامي الحديث:
​من عباءته التربوية خرج التيار التنويري العقلاني الليبرالي (عبر تلاميذ تلميذه كقاسم أمين وأحمد لطفي السيد).
​ومن أطروحته السياسية خرجت تيارات الإسلام السياسي وحركات التحرر الإسلامي (التي اتخذت من الجامعة الإسلامية منطلقاً لها).
​النقد الأكاديمي الموجه لشخصيته وفكره:
​رغم عظمته، واجه الأفغاني نقداً من المؤرخين والباحثين:
​البراغماتية السياسية المفرطة: عاب عليه البعض تقلباته السياسية ومحاولاته المتكررة للتحالف مع الملوك والسلاطين (كشاه إيران والسلطان العثماني وخديوي مصر) لتحقيق مشروعه، وهي تحالفات انتهت دائماً بالتصادم والنفي.
​التركيز على السياسي على حساب الفكري العميق: نظراً لعيشه حياة الثائر المطارد، لم يترك الأفغاني مؤلفات نسقية ضخمة (باستثناء كتاب "الرد على الدهريين" وبعض الرسائل والمقالات)، فكان أثره في "شخصه وتلاميذه" أكثر من أثره في "كتبه".
​خاتمة المقال
​لم يكن جمال الدين الأفغاني مجرد رجل مر في تاريخ هذه الأمة، بل كان زلزالاً فكرياً حطم جدران الخوف والجمود. علم الشعوب العربية والإسلامية أن الاستعمار ليس قدراً محتوماً، وأن الشرق قادر على استعادة أمجاده إذا ما امتلك الإرادة والوعي. رحل بجسده، لكن روحه الثائرة ظلت تلهم حركات التحرر لـعقود طويلة.
​مراجع المقال للاستزادة والتوثيق:
​الأفغاني، جمال الدين. الرد على الدهريين (ترجمة محمد عبده).
​الأفغاني، جمال الدين والشيخ محمد عبده. جريدة العروة الوثقى (الأعداد الكاملة)، دار الكتاب العربي، بيروت.
​المخزومي، محمد باشا. خاطرات جمال الدين الأفغاني (وهو الكتاب العمدة في تسجيل آرائه وأقواله في أيامه الأخيرة بإسطنبول).
​أمين، أحمد. زعماء الإصلاح في العصر الحديث، دار الكتاب العربي، بيروت.
​عمارة، د. محمد. جمال الدين الأفغاني: موقظ الشرق وفيلسوف الإسلام، دار الشروق، القاهرة.
​Keddie, Nikki R. Sayyid Jamal ad-Din "al-Afghani": A Political Biography, University of California Press.

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الإمام محمد عبده.. رائد التجديد الفقهي وهندسة الإصلاح المؤسسي ​بقلم: الناصر خشيني

سلسلة مقالات: أعلام الأمة العربية - حركة التاريخ والوعي ​مقدمة ​إذا كان الشرق قد استيقظ في القرن التاسع عشر على صيحات جمال الدين الأفغاني ال...