التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموصل.. الحدباء الشامخة التي داوت جراحها وهزمت الاحتلال والإرهاب بقلم الناصر خشيني

 


تاريخ المدينة
تُعد مدينة الموصل، مركز محافظة نينوى في شمال العراق، واحدة من أعرق الحواضر التاريخية في بلاد الرافدين والعالم، حيث تمتد جذورها إلى العهد الآشوري القديم (نينوى التاريخية). اكتسبت المدينة اسم "الموصل" لأنها كانت تصل بين الشرق والغرب تجارياً وثقافياً، وحملت لقباً عزيزاً في قلوب العراقيين وهو "الحدباء" نسبة لافتتاح مئذنتها الشهيرة، وكما تُعرف بـ "أم الربيعين" لجمال طقسها. وتوالت عليها العهود الإسلامية العظيمة، وظلت لقرون مركزاً للعلم، والطباعة، والأدب، وصمام أمان للهوية العربية والإسلامية في شمال العراق.
أهم معالمها
يأتي "جامع النوري الكبير" ومئذنته "الحدباء" التاريخية كأعظم رمز تاريخي وروحي للمدينة، ورغم تعرضه للدمار إلا أنه ينهض مجدداً ليشهد على عراقة الموصل. وتضم المدينة "كنيسة الساعة" القديمة لتجسد قيم التنوع والتعايش، وتحفها "البلدة القديمة" بأسواقها التراثية العتيقة ومبانيها المبنية من رخام الموصل (الفرش)، بالإضافة إلى الآثار الآشورية في نينوى وقصر الخلافة ومتاحفها التي تروي ضخامة الإرث الإنساني للمدينة.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
عاشت الموصل محطات تاريخية بالغة القسوة والألم في القرن الحديث، حيث تحولت إلى ساحة مواجهة شرسة خاضت فيها المدينة معركة مزدوجة؛ فمن جهة قاومت قوات الاحتلال الأمريكي بعد عام 2003 وسطرت معارك بطولية في أحيائها، ومن جهة أخرى واجهت أبشع قوى الإرهاب المظلم (تنظيم داعش) الذي عاث فيها دماراً وحاول طمس هويتها وحضارتها. صمدت الموصل رغم الجراح العميقة والدمار الذي لحق بأحيائها التاريخية، وانتفض أهلها مضحين بالغالي والنفيس، لينفضوا غبار الإرهاب والاحتلال معاً، ويعيدوا بناء مدينتهم بسواعدهم الأبية مؤكدين دورهم التاريخي في حفظ وحدة العراق وعروبته.
خاتمة
إن الموصل الحدباء تظل رمزاً حياً للقيامة والنهوض من تحت الرماد؛ فجراحها العميقة لم تزدها إلا شموخاً وإصراراً على الحياة، لتبقى أم الربيعين دائماً منارة للعلم والصمود، وشاهداً تاريخياً على أن مدن المجد لا تموت وإن جارت عليها الخطوب.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...