التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سرت.. حصن التحدي التاريخي والخط الأحمر في وجه الأطماع الأمريكية بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
تتمتع مدينة سرت بموقع استراتيجي فريد على ساحل البحر الأبيض المتوسط في منتصف الجغرافيا الليبية، حيث تلتقي عبرها طرق التجارة والقوافل بين شرق ليبيا وغربها. تمتد جذورها التاريخية إلى العصور الفينيقية والرومانية، وعُرفت قديماً بـ "مكاداس". ومع الفتح الإسلامي، تحولت إلى رباط بحري ومحطة هامة. ونظراً لموقعها الذي يربط بين الأقاليم الليبية وإطلالتها المباشرة على خليج واسع، ظلت سرت عبر تاريخها الطويل محط أنظار الغزاة، وحصناً جغرافياً صلب الحماية حافظ على عروبته وأصالته القبلية الراسخة.
أهم معالمها
يأتي "خليج سرت" (خليج السدرة) كأبرز وأعظم معلم طبيعي واستراتيجي ارتبطت به المعارك السياسية والعسكرية الكبرى للمدينة. وتضم المنطقة "قلعة القرضابية" التاريخية، و"مجمع قاعات واغادوغو" الذي يمثل صرحاً معمارياً وحضارياً شهد انعقاد قمم تاريخية كبرى أفرزت تأسيس الاتحاد الإفريقي، بالإضافة إلى أحيائها التراثية ومساجدها العتيقة التي تروي تجذر أهل سرت في أرضهم وعشقهم للحرية.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
سجلت سرت صفحات مجيدة في تاريخ مواجهة الأطماع الأمريكية والغربية؛ فمنذ القرن التاسع عشر (عام 1805)، شهدت شواطئها وتاريخها مواجهات باسلة ضد الغطرسة البحرية الأمريكية في حرب طرابلس الأولى. وفي القرن الماضي وتحديداً خلال ثمانينيات القرن العشرين، تحولت سرت إلى أيقونة للتحدي عندما أعلن القائد معمر القذافي رحمه الله أن "خط عرض 32.5 شمالاً" في خليج سرت هو "خط أحمر" يُمنع على الأساطيل الأمريكية تجاوزه، وسمي بـ "خط الموت". خاضت القوات الليبية معارك جوية وبحرية شرسة عامي 1981 و1986 دفاعاً عن السيادة الوطنية، لتثبت سرت دورها التاريخي كقلعة للتصدي ترفض الهيمنة والاستكبار الأمريكي.
خاتمة
تبقى سرت عنواناً للسيادة والخطوط الحمراء التي تعمدت بالدم؛ فأمواج خليجها الشاهدة على تحطم غطرسة الطائرات والبوارج الأمريكية تروي للأجيال أن الأرض العربية ليست مستباحة، وأن سرت كانت وستبقى حصناً منيعاً لرفض الاملاءات والهيمنة الاستعمارية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...