التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سعد زغلول.. عبقرية الزعامة وهندسة ثورة الأمة ​بقلم الناصر خشيني

 



سلسلة مقالات: أعلام الأمة العربية - حركة التاريخ والوعي
​مقدمة
​لم يكن تاريخ مصر والمنطقة العربية في مطلع القرن العشرين مجرد تتابع للأحداث، بل كان مخاضاً عسيراً لولادة الوعي بالهوية الوطنية والسيادة الشعبية. وفي قلب هذا المخاض، برز اسم "سعد زغلول" ليس كقائد سياسي عابر، بل كحالة زعامة تاريخية فريدة نجحت في صهر أطياف الشعب المصري في بوتقة واحدة، محطماً جدران الانقسام الطائفي والطبقي. فكان بحق "زعيم الأمة" الذي نقل الفكر التنويري للأفغاني والشيخ محمد عبده من أروقة الجامع الأزهر وصفحات الصحف، إلى منصات القضاء، ووزارات الدولة، وأخيراً إلى بركان ثورة 1919 الشعبية العارمة.
​ بطاقة التعريف الشخصية والسياسية

 أولاً: الجذور والتعليم (تلميذ المصلحين وروابط الوعي)

​تجمع نشأة سعد زغلول بين دقة التكوين الأزهري وعصرية القانون والسياسة:

​البدايات الريفية والأزهر: نشأ سعد في أسرة ريفية مصرية بسيطة، وحفظ القرآن الكريم في كُتّاب القرية، ثم التحق بالجامع الأزهر عام 1873م، وهو التوقيت الأهم في حياته؛ حيث تلّقى العلم والنظرات الإصلاحية مباشرة على يد القطبين الكبيرين: جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده. هذا التكوين غرس فيه شجاعة الكلمة، والقدرة على الخطابة، ورفض الجمود العقلي والسياسي.

​الانتقال للقانون: انفتح سعد على العلوم الحديثة، فدرس الحقوق وعمل بالمحاماة والقضاء، ولم يتوقف طموحه المعرفي حتى سافر إلى فرنسا وحصل على ليسانس الحقوق عام 1897م، مما منحه فهماً قانونياً ودستورياً عميقاً للمذاهب السياسية الغربية.

​ثانياً: التدرج الوظيفي والسياسي (رجل الدولة والمعارضة)

​قبل أن يصبح سعد زغلول قائداً شعبياً ومحركاً للثورة، صقلته خبرات وظيفية وتشريعية بالغة الأهمية داخل بنية الدولة المصرية:

​الصحافة: عمل محرراً ومشاركاً للشيخ محمد عبده في صياغة وتطوير جريدة "الوقائع المصرية"، مما أتاح له الاشتباك الباكر مع قضايا الوعي العام.

​المحاماة والقضاء: اشتغل بالمحاماة فبرز كخطيب ومجادل قانوني بارع، ثم عُين قاضياً بمحكمة الاستئناف وترقى في مدارج القضاء حتى أصبح مستشاراً، عُرف بنزاهته واستقلالية أحكامه.

​العمل الوزاري: تولى نظارة (وزارة) المعارف عام 1906م، وكان من أبرز إنجازاته خلالها مساهمته الفعالة في تأسيس الجامعة المصرية (جامعة القاهرة حالياً) كمنبر للعلم التنويري. ثم تولى وزارة الحقانية (العدل) عام 1910م.

​المواجهة التشريعية: في عام 1914م، انتُخب عضواً ثم رئيساً للجمعية التشريعية، ومن هذا المنبر قاد معارضة وطنية دستورية شرسة ضد السياسات الاستعمارية البريطانية، ليتشكل حوله التفاف وطني كبير.

​ثالثاً: ملحمة ثورة 1919 (من المنفى إلى الانفجار الشعبي)

​مع وضْع الحرب العالمية الأولى أوزارها، تحول سعد زغلول إلى الرمز المطلق للمطالبة بالاستقلال:

​تأليف الوفد: شَكَّل سعد مع رفاقه الخُلّص (أمثال عبد العزيز فهمي وعلي شعراوي) وفداً رسمياً لمقابلة المندوب السامي البريطاني، مطالبين بالسماح لهم بالسفر إلى "مؤتمر الصلح" في باريس لعرض القضية المصرية ونيل الاستقلال.

​الاعتقال والنفي الأول (الشرارة): رفضت سلطات الاحتلال البريطاني الطلب، وتوهمت أن اعتقال سعد ورفاقه ونفيهم إلى جزيرة مالطا في 8 مارس 1919م سيخمد الحركة الوطنية. لكن النتيجة جاءت عكسية؛ إذ انفجرت في اليوم التالي (9 مارس 1919م) ثورة شعبية زلزلت أركان الاحتلال. وشاركت فيها –لأول مرة بتلك الكثافة والوحدة– كافة طوائف وفئات الشعب من مسلمين وأقباط، ورجال وفلاحين وعمال، ولعبت المرأة المصرية دوراً تاريخياً بقيادة صفية زغلول.

​التراجع والنفي الثاني: تراجعت بريطانيا مرغمة وأفرجت عن الوفد وسمحت لهم بالسفر إلى باريس. ومع استمرار المناورات البريطانية وتمسك الشعب بزعيمه، أقدمت بريطانيا على نفيّه مجدداً عام 1921م إلى جزيرة سيشل، فتجدد البركان الشعبي والمقاطعة للبضائع الإنجليزية، مما أثبت لبريطانيا استحالة كسر إرادة الشعب الملتف حول زعيمه.

​رابعاً: رئاسة "وزارة الشعب" الدستورية والاستقالة الكبرياء

​أثمر الضغط الشعبي العارم والملحمة الوطنية عن مكاسب تاريخية:

​دستور 1923م: أُجبرت بريطانيا على إلغاء الحماية (ظاهرياً) وإصدار دستور جديد عام 1923م، والذي اعتُبر قفزة في الحياة النيابية والدستورية.

​وزارة الشعب (1924م): خاض حزب الوفد –الذي أسسه سعد زغلول ليمثل ضمير الحركة الوطنية– أول انتخابات برلمانية حرة، وحقق اكتساحاً وفوزاً ساحقاً. وشكل سعد زغلول أول وزارة برلمانية منتخبة في تاريخ مصر، عُرفت شعبياً وتاريخياً باسم "وزارة الشعب".

​الاستقالة والموقف المبدئي: لم تستمر الوزارة سوى شهور قليلة؛ ففي أواخر عام 1924م، عقب حادثة اغتيال السير "لي ستاك" (سردار الجيش المصري وحاكم السودان)، قدمت بريطانيا إنذاراً تعسفياً مهيناً يمس السيادة المصرية ومكانة مصر في السودان. رفض سعد زغلول كبرياءً وإيماناً بالسيادة الرضوخ للإملاءات، وفضّل تقديم استقالة حكومته على أن يوقع على صك التنازل.

​خامساً: الإرث والأثر الأكاديمي في حركة التاريخ

​ترجل الزعيم في 23 أغسطس 1927م، وشُيع في جنازة تاريخية لم تشهد البلاد لها مثيلاً، ونُقل جثمانه لاحقاً إلى ضريح ضخم في قلب القاهرة مصمم على الطراز الفرعوني، في دلالة رمزية على الهوية المصرية الضاربة في عمق التاريخ.

​الأثر التاريخي والنقدي لأطروحته:

​تأسيس مفهوم المواطنة: إن الأثر الأبقى لسعد زغلول هو ترسيخه لشعار "الدين لله والوطن للجميع"، صانعاً صيغة الوحدة الوطنية الكاملة بين المسلمين والأقباط، وهو المفهوم الذي حمى البنية الاجتماعية للبلاد لعقود طويلة.

​مأسسة الحركة الوطنية: عبر حزب الوفد، نقل سعد زغلول النضال من العمل الفردي أو السري النخبوي إلى العمل الحزبي الجماهيري المنظم.

​النقد التاريخي: يرى بعض المؤرخين والمحللين الأكاديميين أن سعد زغلول، بحكم تكوينه القانوني، كان يميل أحياناً إلى الحلول الدستورية والتفاوضية والرهان على القوانين الدولية (مثل مراهنته على مبادئ الرئيس الأمريكي ويسلون في مؤتمر الصلح)، وهي المبادئ التي صدمت الوفد بانحيازها للاستعمار، مما يوضح الفجوة بين الوعي القانوني للنخبة وواقع المصالح والموازنات الدولية الدولية.

​خاتمة المقال

​رحل سعد زغلول وظل "بيت الأمة" شاهداً على عصر من النضال والكبرياء. لقد أثبتت تجربة هذا القائد أن الزعامة الحقيقية ليست منصة تُمنح، بل هي نبض شارع وثقة شعب وإيمان مطلق بالحرية. صاغ بوطنيته الكاريزمية ملامح مصر الحديثة، ليستحق أن يظل في وجدان الأمة وعقل تاريخها: "زعيم الأمة الموحد".

​مراجع المقال للاستزادة والتوثيق:

​الرافعي، عبد الرحمن. ثورة 1919: تاريخ مصر القومي من سنة 1914 إلى سنة 1921، دار المعارف، القاهرة.

​العقاد، عباس محمود. سعد زغلول: سيرة وتحية، مؤسسة هنداوي.

​فرج، د. محمد توفيق. سعد زغلول وزعامة الأمة، دار الشروق، القاهرة.

​زغلول، سعد. مذكرات سعد زغلول (تحقيق د. عبد العظيم رمضان)، الهيئة المصرية العامة للكتاب.

​Vatikiotis, P. J. The History of Modern Egypt: From Muhammad Ali to Mubarak, Weidenfeld and Nicolson, London.


ط

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...