مقدمة
تخوض الأمة العربية في مرحلتها الراهنة صراعاً وجودياً متعدد الجبهات، لا يقتصر على مواجهة الغزوات الخارجية المباشرة، بل يمتد إلى جبهات الإقليم وجوارنا الجغرافي الذي يجري توظيف بعض أطرافه كأدوات وظيفية لمحاصرة الأمن القومي العربي وتفتيت ركائزه. وفي هذا السياق الجيوسياسي، يبرز الدور الإثيوبي الراهن ليس كمجرد خلافات حدودية أو تنموية عابرة، بل كحلقة أساسية في استراتيجية معادية تستهدف عمق الأمة العربية، من حوض النيل إلى القرن الإفريقي، وصولاً إلى قلب السودان الشقيق.
أولاً: إقليم الأوغادين.. تاريخ من التوسع الإمبريالي والإنكار الحضاري
إن قراءتنا القومية والتقدمية للتاريخ تنطلق من الإيمان بحق الشعوب في تقرير مصيرها ورفض الهيمنة. ومن هذا المنطلق، يمثل إقليم الأوغادين أرضاً عربية الهوى والهوية، جرى اقتطاعها وإلحاقها بإثيوبيا في سياق التوازنات الاستعمارية القديمة التي استهدفت تمزيق الفضاء العربي والإسلامي في القرن الإفريقي. إن استمرار السيطرة الإثيوبية على هذا الإقليم يمثل إرثاً توسعياً يرفض الاعتراف بالحقوق التاريخية والحضارية لأبناء المنطقة، ويشكل خلفية أيديولوجية وسلوكية تحكم العقلية السياسية الحاكمة في أديس أبابا حتى اليوم.
ثانياً: سد النهضة.. الإرهاب المائي وأدوات خنق دول المصب
لم يعد العدوان يقتصر على الجغرافيا، بل تحول إلى محاولة للتحكم في شريان الحياة الوجودي للأمة. إن إصرار النظام الإثيوبي على بناء "سد النهضة" وفرض سياسة الأمر الواقع عبر عمليات الملء الأحادية، متجاوزاً الحقوق التاريخية المكتسبة لشعبي مصر والسودان، لا يمكن توصيفه إلا كـ"إرهاب مائي".
إن هذا السد، الذي يحظى بدعم وتمويل صامت من قوى الإمبريالية العالمية، لا يستهدف التنمية كما يزعم الخطاب الرسمي لأديس أبابا، بل يستهدف رهن الإرادة السياسية للقاهرة والخرطوم، وتحويل المياه إلى سلاح استراتيجي لابتزاز الدولة الوطنية العربية وخنق قدراتها الاقتصادية والبشرية.
ثالثاً: تفكيك السودان.. دعم المليشيات كأداة لضرب الدولة الوطنية
في إطار الرؤية القومية الشاملة، ندرك أن استهداف أي قطر عربي هو استهداف للمنظومة القومية بأسرها. ومن هنا، يأتي الدور الإثيوبي المشبوه في الأزمة السودانية عبر تقديم الدعم والغطاء لمليشيا الدعم السريع المتمردة. إن هذا التدخل السافر لا يمثل مجرد انحياز سياسي، بل هو مساهمة فعلية في تدمير مؤسسات الدولة الوطنية السودانية وتفتيت نسيجها الاجتماعي. والهدف من وراء ذلك هو إبقاء السودان في حالة سيولة أمنية وضعف دائم، بما يضمن تحييده عن معركة الدفاع عن الأمن المائي العربي، ويخلق حزاماً من الفوضى على حدود مصر الجنوبية.
رابعاً: التحالف الإثيوبي الصهيوني.. الطوق المخترق للأمة
يتجلى البُعد الأكثر خطورة في المشهد الاستراتيجي عند تفكيك العلاقات العضوية والمتطورة بين إثيوبيا والكيان الصهيوني. إن هذا التحالف يمثل التطبيق العملي لما يُعرف في العقيدة الأمنية الصهيونية بـ"استراتيجية المحيط" (تطويق العالم العربي من خلال بناء تحالفات مع دول الجوار غير العربية).
إن التعاون العسكري والأمني والتكنولوجي بين أديس أبابا وتل أبيب ــ خاصة في مجالات الاستخبارات وإدارة الموارد المائية وحماية المنشآت الحيوية ــ يؤكد أن النظام الإثيوبي بات يمثل منصة متقدمة للمشروع الصهيوني-الإمبريالي في منطقة البحر الأحمر وباب المندب وحوض النيل، وهو ما يجعله في خندق المجابهة المباشرة مع طموحات أمتنا في التحرر والسيادة.
خلاصة وموقف: نحو جبهة عربية لمواجهة التحديات الإقليمية
بناءً على هذه المعطيات التي لا تقبل التجزئة، فإن إثيوبيا بسياساتها الراهنة تضع نفسها في موقع "الجوار المعادي" للأمة العربية. وإن مجابهة هذا التهديد الوجودي تتطلب تجاوز السياسات القُطرية الضيقة بردود أفعالها المؤقتة، والذهاب فوراً نحو صياغة استراتيجية قومية موحدة وتكاملية.
إن الفكر التقدمي يفرض علينا تفعيل كافة عناصر القوة العربية ــ السياسية والاقتصادية والدبلوماسية والشعبية ــ لدعم صمود مصر والسودان، وحماية الحقوق التاريخية، والوقوف بحزم ضد مشاريع التفتيت والتحالفات المشبوهة، صوناً لكرامة الأمة ومستقبل أجيالها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق