التخطي إلى المحتوى الرئيسي

كربلاء.. عاصمة الفداء ومدرسة الثورة الساطعة ضد الطغيان عبر التاريخ بقلم الناصر خشيني تاريخ المدينة



تاريخ المدينة
تقع مدينة كربلاء في وسط الجمهورية العربية العراقية على حافة الصحراء الغربية وغرب نهر الفرات، وهي مدينة حفرت اسمها بأحرف من نور ونفحات من الألم في الوجدان الإنساني منذ عام 61 للهجرة. وتسميتها تاريخية مشتقة من أصول بابلية قديمة تعني "قرب الإله"، لكن تاريخها الفعلي والمقدس بدأ حين حط فيها سبط الرسول الإمام الحسين بن علي عليه السلام رحله. تعاقبت عليها العصور الإسلامية وتحولت سريعاً من بقعة جغرافية قاحلة إلى حاضرة علمية، وفقهية، وروحيّة عالمية يقصدها الملايين، وعاصمة للوعي الذي صاغ جغرافيا الثورات والانتفاضات ضد الظلم عبر التاريخ.
أهم معالمها
يتربع "الروضة الحسينية المقدسة" و"الروضة العباسية الشريفة" كأعظم وأجل المعالم الروحية والتاريخية في المدينة، حيث يضمان ضريحي الإمام الحسين وأخيه العباس عليهما السلام وشهداء واقعة الطف العظيمة، بعمارة إسلامية مهيبة وقباب مذهبة تأسر القلوب. وتضم المدينة "منطقة بين الحرمين" الشاهدة على ملاحم العشق الحسيني، بالإضافة إلى معالمها الأثرية القديمة مثل "حصن الأخيضر" العباسي الضخم الذي يقع في صحراء كربلاء كتحفة هندسية وعسكرية، وموقع "قطارة الإمام علي" التاريخي.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
تُمثل كربلاء المدرسة الأولى والمنبع الحقيقي لعقيدة المقاومة والثورة ضد الاستكبار والظلم؛ فمن أرضها انطلقت صرخة "هيهات منا الذلة" التي زلزلت عروش الطغاة عبر العصور. واجهت كربلاء صموداً نضالياً أسطورياً ومحطات بالغة القسوة من حصارات وتدمير وتنكيل، سواء في العهود القديمة أو في التاريخ الحديث؛ وتجلى دورها البطولي في قيادة "ثورة العشرين" التحريرية عام 1920 ضد الاحتلال البريطاني، وصولاً إلى انتفاضاتها الشعبية العارمة ضد الديكتاتورية وحملات طمس الهوية. وبقيت كربلاء صخرة صلبة تتحطم عليها أوهام الطغاة، مضحية بقوافل لا تنتهي من الشهداء في سبيل إعلاء كلمة الحق وحرية الإنسان العربي والإسلامي.
خاتمة
إن كربلاء ليست مجرد مدينة من حجر ومزارات، بل هي فكرة وعقيدة ثورية عابرة للزمان والمكان؛ فترابها المخضب بالدم الطاهر يصرخ في وجه كل ظالم ومحتل، لتظل كربلاء دائماً قبلة الأحرار وعاصمة الإباء التي تثبت للعالم أجمع أن الدم ينتصر على السيف مهما طال ليل الطغيان

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...