التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشارقة.. حصن العروبة ومنارة الفكر والثقافة في الخليج العربي بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
تربض مدينة الشارقة على ساحل الخليج العربي كواحدة من أعرق الحواضر التراثية في شبه الجزيرة العربية، حيث تمتلك تاريخاً تجارياً وبحرياً حافلاً يمتد لقرون. قادت الشارقة، تحت حكم قبيلة القواسم الأبية، ملاحم بطولية تاريخية ضد الاستعمار البرتغالي والبريطاني في المنطقة، وحولت أساطيلها البحرية القاسميّة الخليج إلى بحيرة عصية على التدجين الاستعماري. ومع قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، حافظت الشارقة على خصوصيتها وهويتها الأصيلة، لتصنع لنفسها خطاً حضارياً فريداً يستمد روحه من قيم العروبة والإسلام والتاريخ المشترك للأمة.
أهم معالمها
تتميز الشارقة بمعالمها الفكرية والعمرانية المصبوغة بالهوية الإسلامية، وفي مقدمتها "المدينة الجامعية بالشارقة" التي تعد صرحاً أكاديمياً فريداً في المنطقة. وتضم المدينة "سوق العرصة" التراثي وهو أقدم أسواق الخليج، و"حصن الشارقة" الشاهد على المعارك القديمة، بالإضافة إلى "جامع النور" بعمارته العثمانية البديعة، والصروح المخصصة لـ "أيام الشارقة الثقافية" ومهرجان الكتاب الدولي الذي غدا محجاً للمفكرين والأدباء العرب.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
يتجلى الدور النضالي والفكري للشارقة في عقيدتها العروبية الراسخة التي يقودها حاكمها الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي؛ حيث تبنت المدينة سياسات ثقافية وتوعوية فريدة تنحاز بشكل مطلق للقضايا العربية الكبرى، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية ودعم صمود شعوب الأمة في وجه محاولات الطمس والتغريب. هذا التميز الثقافي والفكري جعل الشارقة تبدو في الوجدان العربي كقلعة مستقلة للعروبة، ترفض الانصياع لثقافة العولمة الاستهلاكية، متمسكة بلغة الضاد وسياج الأخلاق، ومسخرةً إمكاناتها لتكون عمقاً فكرياً وثقافياً نابضاً للأمة العربية من المحيط إلى الخليج.
خاتمة
تبقى الشارقة منارة الثقافة وعين العروبة الشامخة في الخليج؛ فعمرانها الإسلامي الملتزم وصوتها المنحاز لقضايا الأمة يثبتان للأجيال أن النهضة الحقيقية هي التي تتشبث بالجذور، وأن الشارقة ستبقى دائماً عاصمة للفكر وعنواناً للأصالة العربية التي لا تنحني

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...