التخطي إلى المحتوى الرئيسي

​سلسلة اعلام الامة : أحمد عرابي: من ريف الشرقية إلى حامي الديار المصرية بقلم الناصر خشيني

 




​يمثل الزعيم أحمد عرابي محطة استثنائية في تاريخ مصر الحديث؛ فهو ليس مجرد قائد عسكري قاد انتفاضة في وجه الخديوي، بل هو تجسيد حي لوعي وطني تشكل في أروقة الريف المصري، وصُقل في مؤسسات الجيش، ثم تبلور فكراً سياسياً ناضجاً يسعى لترسيخ قيم العدالة والمواطنة والدستورية في مواجهة الاستبداد والتدخل الأجنبي السافر.
​1. النشأة والتكوين: من ريف الشرقية إلى العسكرية المصرية
​الميلاد والبيئة الجذورية
​ولد أحمد عرابي في الحادي والثلاثين من مارس عام 1841 في قرية "هرية رزنة" التابعة لمديرية الشرقية في ريف مصر [1]. نشأ عرابي في بيئة ريفية خالصة صبغت وجدانه بالارتباط الوثيق بالأرض والفلاحين، وكان والده شيخاً للقرية يحظى بمكانة اجتماعية مرموقة، مما أتاح لعرابي فرصة التنشئة الدينية المبكرة، فحفظ القرآن الكريم في كُتّاب القرية، ثم التحق بالجامع الأزهر الشريف ليتلقى العلوم الدينية واللغوية لمدة عامين [2]. هذه الـخلفية الأزهرية منحت عرابي فصاحة في اللسان وقدرة خطابية متميزة أهّلته لاحقاً لتحريك الجماهير وصياغة البيانات الوطنية ببيان رصين.
​التحول نحو العسكرية
​شهدت مصر في عهد الوالي سعيد باشا تحولاً إستراتيجياً تمثل في السماح لأبناء مشايخ البلاد والريف بالالتحاق بالجيش كضباط، مكسراً بذلك الاحتكار التقليدي للعناصر التركية والشركسية [3]. التحق عرابي بالخدمة العسكرية عام 1854 ولم يكن قد تجاوز الثالثة عشرة من عمره، وأبدى انضباطاً وذكاءً حاداً ساعده على الترقي السريع في الرتب العسكرية؛ فوصل إلى رتبة "ملازم أول" في غضون أربعة أعوام، وبحلول عام 1860 رُقي إلى رتبة "بكباشي" (مقدم) وهو في التاسعة عشرة من عمره، وهو صعود إستراتيجي لافت لضابط مصري في تلك الحقبة [4].
​2. الفلسفة الفكرية والدوافع الوطنية: من المظلمة الفئوية إلى قضية الأمة
​مواجهة التمييز المؤسسي
​مع تولي الخديوي إسماعيل ثم الخديوي توفيق سدة الحكم، تراجعت سياسة تمصير الجيش وعادت الهيمنة المطلقة للعناصر الشركسية والتركية التي مارست تمييزاً صارخاً ضد الضباط المصريين، سواء باحتجاز ترقياتهم أو تقليل نفوذهم وتسريحهم تعسفياً [5]. في هذه الأجواء تشكلت الفلسفة الفكرية لعرابي؛ إذ أدرك أن المسألة تتجاوز التظلم الفئوي العسكري لتصل إلى جوهر مفهوم المواطنة والمساواة، حيث يُظلم ابن البلد في وطنه لصالح نخب أجنبية مستبدة.
​التحول إلى حركة شعبية (الوعي القومي)
​لم يقف فكر عرابي عند المطالب العسكرية المحضة، بل تقاطع مع الحركة الفكرية والإصلاحية التنويرية التي قادها السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده، وتأثر بالصحافة الوطنية الصاعدة [6]. تحول الوعي العرابي من الرؤية القطاعية إلى تبني قضية وطنية شاملة ترتكز على محوريين رئيسيين: دسترة الحكم عبر إنهاء الاستبداد المطلق للخديوي وإقامة مجلس نواب يمثل الأمة، والسيادة الوطنية بالحد من التدخل السافر لبريطانيا وفرنسا في الشؤون المالية والسياسية من خلال صندوق الدين [7].
​3. الإنجازات التنفيذية والمحطات التاريخية
​مظاهرة عابدين (9 سبتمبر 1881)
​مثلت مظاهرة عابدين الكبرى الذروة السياسية للحركة العرابية، حيث قاد عرابي وحدات الجيش متلاحماً مع آلاف المواطنين الذين تجمهروا أمام قصر عابدين لتقديم مطالب الأمة للخديوي توفيق [8]. وفي المواجهة التاريخية الشهيرة، خاطب الخديوي توفيق عرابي قائلاً: "كل هذه الطلبات لا حق لكم فيها، وأنا ورثت هذه البلاد عن آبائي وأجدادي، وما أنتم إلا عبيد إحساناتنا"، فرد عليه عرابي برد فلسفي وتاريخي صاغ أدبيات الحرية المصرية:
​«لقد خلقنا الله أحراراً، ولم يخلقنا تراثاً أو عقاراً؛ فوالله الذي لا إله إلا هو، إننا لا نُورَث، ولا نُستعبَد بعد اليوم» [9].
​أجبرت هذه الوقفة الشجاعة الخديوي على عزل الوزارة المستبدة، وتشكيل حكومة وطنية فتحت الباب لصياغة دستور 1882 وإنشاء مجلس النواب المصري.
​قيادة الدفاع ووزارة الجهادية (1882)
​عُيّن عرابي وزيراً للجهادية (الدفاع) في وزارة محمود سامي البارودي، وغدا لُقب بـ "حامي الديار المصرية" بالتزامن مع تصاعد التهديدات العسكرية البريطانية [10]. نجح عرابي وقواته عسكرياً في صد الهجوم البحري والبري البريطاني في معركة كفر الدوار الشهيرة، مما اضطر القوات البريطانية للتراجع والبحث عن منفذ بديل عبر قناة السويس [11]. إلا أن الزحف البريطاني الهائل في الجبهة الشرقية أدى في النهاية إلى هزيمة الجيش المصري في معركة التل الكبير (سبتمبر 1882) نتيجة اختلال موازين القوى والتواطؤ الدولي [12].
​4. النقد والتحليل الأكاديمي لمسيرته
​مراجعة الأداء العسكري والسياسي
​تخضع تجربة أحمد عرابي لتحليلات أكاديمية رصينة ومتباينة تبحث في أسباب إخفاق الثورة عسكرياً برغم عدالتها الشعبية؛ حيث يُؤخذ على عرابي قصور التخطيط الإستراتيجي وثقته المفرطة بوعود "فرديناند دي لسبس" بشأن حيادية قناة السويس، مما سمح لبريطانيا باختراق العمق المصري [13]. كما ساهم انقسام الجبهة الداخلية، وصدور منشور السلطان العثماني بـ "عصيان عرابي"، فضلاً عن الاختراقات والخيانات في صفوف بعض الضباط والبدو، في تحطيم الروح المعنوية قبيل معركة التل الكبير [14].
​مرحلة المنفى وإعادة القراءة
​بعد صدور حكم الإعدام وتخفيفه إلى النفي المؤبد، أمضى عرابي قرابة عشرين عاماً في جزيرة سيلان (سريلانكا)، تحول فيها إلى رمز إنساني وثقافي ساهم في تأسيس المدرسة الزاهرية التي تعد نواة التعليم العربي والحديث هناك [15]. عاد عرابي إلى مصر عام 1901 في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني، حيث عاش في عزلة اختيارية يوثق أحداث الثورة حتى وفاته عام 1911، تاركاً إرثاً نضالياً ألهم ثورات مصر اللاحقة [16].
​الهوامش والمراجع:
​أحمد عرابي، مذكرات الثورة العرابية: كشف الستار عن الأسرار، القاهرة: دار المعارف، ص 15.
​المرجع نفسه، ص 18.
​عبد الرحمن الرافعي، الثورة العرابية والاحتلال الإنجليزي، القاهرة: دار المعارف، ط 4، 1983، ص 42.
​أحمد عرابي، مذكرات الثورة العرابية، مرجع سابق، ص 25.
​عبد الرحمن الرافعي، الثورة العرابية والاحتلال الإنجليزي، مرجع سابق، ص 68.
​محمد عبده، مذكرات الإمام محمد عبده عن الثورة العرابية، تحقيق: طاهر الطناحي، القاهرة: دار الهلال، ص 34.
​المرجع نفسه، ص 45.
​عبد الرحمن الرافعي، الثورة العرابية والاحتلال الإنجليزي، مرجع سابق، ص 112.
​أحمد عرابي، مذكرات الثورة العرابية، مرجع سابق، ص 89.
​عبد الرحمن الرافعي، الثورة العرابية والاحتلال الإنجليزي، مرجع سابق، ص 185.
​أحمد عرابي، مذكرات الثورة العرابية، مرجع سابق، ص 142.
​عبد الرحمن الرافعي، الثورة العرابية والاحتلال الإنجليزي، مرجع سابق، ص 290.
​المرجع نفسه، ص 315.
​محمد عبده، مذكرات الإمام محمد عبده، مرجع سابق، ص 92.
​أحمد عرابي، مذكرات الثورة العرابية، مرجع سابق، ص 380.
​عبد الرحمن الرافعي، الثورة العرابية والاحتلال الإنجليزي، مرجع سابق، ص 420.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...