قائمة المدونات الإلكترونية

الأحد، 19 يوليو 2026

​مالي ومحيطها العربي: من تقليم النفوذ الفرنسي إلى فخ التوترات الإقليمية ​بقلم: الناصر خشيني



​أولاً: تقليم النفوذ الاستعماري الفرنسي (التحول نحو السيادة الصلبة)

​شهدت جمهورية مالي في السنوات الأخيرة تحولاً جذرياً في عقيدتها السياسية والأمنية، تجسد في انتفاضة الإرادة الوطنية ضد أدوات الهيمنة الغربية. ووفقاً للتحليل القومي التقدمي، فإن ما شهدته باماكو لم يكن مجرد تغيير في السلطة، بل كان خطوة تاريخية لتقليم أظافر الاستعمار الفرنسي التقليدي والجديد (Françafrique) الذي نهب ثروات الساحل لعقود [1].

​لقد نجحت الإرادة الحرة في مالي في طرد القوات الفرنسية الغازية وإنهاء الوجود العسكري الأجنبي، متحررةً من السردية النمطية التي جعلت من مالي حديقة خلفية لباريس. وفي محاولة لكسر الطوق والحصار الاقتصادي والأمني الذي فرضته القوى الإمبريالية عبر أدواتها الإقليمية مثل منظمة (إيكواس)، اتجهت مالي نحو صياغة تحالفات دولية بديلة وبناء "تحالف دول الساحل" (AES) مع بوركينا فاسو والنيجر، ككتلة جغرافية مناهضة للهيمنة تسعى لاستعادة السيادة الوطنية الصلبة على الأرض والثروات والمصير [2].

​ثانياً: جذور التوتر الراهن مع الجزائر (صدام الأجندات وسقوط الاتفاقيات)

​رغم العمق التاريخي الذي يربط مالي بمحيطها العربي، وبخاصة الجزائر التي قادت مسارات دبلوماسية لرأب الصدع في الشمال، إلا أن العلاقات بين البلدين دخلت مؤخراً نفقاً مظلماً من التوترات التصاعدية وتراشق الاتهامات [3]. ويرى التحليل التقدمي أن هذا التوتر يرجع بالأساس إلى صدام الأجندات وسقوط المقاربات التقليدية لإدارة الأزمات:

​إعلان وفاة "اتفاق الجزائر" (2015): جاء قرار باماكو الرسمي بإنهاء العمل بهذا الاتفاق نتيجة لشعور القيادة المالية بأن الاتفاق بات يشكل أداة لتقسيم المقسم، والتدخل في الشؤون الداخلية عبر احتضان حركات انفصالية مسلحة، مما يمس بالسيادة الترابية للدولة الوطنية [4].

​عسكرة الحل وسقوط التوازنات: تتبنى مالي حالياً استراتيجية الحسم العسكري وبسط نفوذ الجيش المالي على مدن الشمال (مثل كيدال)، وهو ما تراه الجزائر تهديداً مباشراً لأمنها القومي وحزامها الجنوبي، خشية أن يؤدي العنف إلى تدفق هائل للاجئين وانفجار البيئة الحدودية [5].

​صراع المحاور والإستراتيجيات البديلة: إن التوجس الجزائري من التغلغل الروسي المكثف على حدودها، يقابله توجس مالي من محاولات فرض الوصاية الإقليمية. هذا الاستقطاب تفاقم مع دخول أطراف عربية أخرى على خط الأزمة عبر تقديم بدائل ومبادرات اقتصادية لربط دول الساحل بالمحيط الأطلسي، مما جعل مالي ساحة للتجاذب الجيوسياسي بدلاً من أن تكون شريكاً في تنمية متكافئة [6].

​ثالثاً: ما السبيل لعلاقات متميزة ومستدامة بين مالي ومحيطها العربي؟

​من منظور قومي تقدمي، لا يمكن فك الارتباط الاستعماري وبناء فضاء أمني وتنموي مستقل في منطقة الساحل والصحراء دون صياغة عقد جديد يربط مالي بمحيطها العربي على أسس الندية والتكامل:

​1. الاحترام المطلق للسيادة الوطنية

​يجب على دول الجوار العربي (وخاصة الجزائر وموريتانيا) التخلي عن مقاربات "الوصاية الأمنية" الموروثة عن حقبة الحرب الباردة، والتعامل مع باماكو كدولة كاملة السيادة، واحترام خياراتها الوطنية في صياغة تحالفاتها الدولية والدفاع عن وحدة أراضيها وضبط حدودها دون تدخل خارجي.

​2. الاقتصاد التنموي كبديل للمقاربة الأمنية الفرنسية

​إن الفكاك من التبعية للشمال يتطلب استبدال المقاربة الأمنية الصرفة بـ "استراتيجية الممرات التنموية". ويتطلب ذلك:

​تفعيل الشراكات الجيواقتصادية: دعم دمج مالي (كدولة حبيسة) في المعابر البحرية والموانئ العربية (المغربية والموريتانية) لتسهيل تصدير ثرواتها من الذهب والقطن، مما يحررها من الابتزاز الغربي ويمثل تطبيقاً عملياً لمفهوم كسر "التبادل غير المتكافئ" [7].

​الاستثمارات السيادية المشتركة: توجيه الرساميل العربية للاستثمار الحقيقي في البنية التحتية، الفلاحة، والتعدين داخل مالي، لخلق تنمية حقيقية تقضي على البيئة الحاضنة للجريمة المنظمة والإرهاب الذي تغذيه القوى الاستعمارية لضمان بقائها.

​3. صياغة آلية أمنية قومية وإقليمية مستقلة

​بدلاً من الارتهان للقوى الأجنبية (سواء كانت غربية أو شرقية)، تبرز الحاجة إلى بناء آلية تنسيق أمني واستخباراتي مباشر ودائم بين دول الجوار العربي وتحالف دول الساحل (AES)، ترتكز على ضبط الحدود المشتركة وتجفيف منابع الإرهاب، باعتبار أن أمن الساحل هو امتداد عضوي للأمن القومي العربي.

​4. إحياء الدبلوماسية الثقافية والروحية

​استثمار العمق الروحي والتاريخي المشترك الذي تمثله مراكز الإشعاع الحضاري الإسلامي (مثل تمبكتو) عبر تفعيل دور المؤسسات التعليمية والدينية العربية الكبرى والروابط الصوفية المشتركة، لبناء سد منيع ضد الاختراقات الفكرية الاستعمارية وتعزيز اللحمة الشعبية بين شعوب المنطقة [8].

​رابعاً: المصادر والمراجع (الهوامش)

​[1] أمين، سمير. (1980). الأزمة الراهنة للنظام الرأسمالي والإمبريالية في إفريقيا. دار الطليعة، بيروت، ص. 142-145 (لتأصيل مفهوم التحرر والفكاك من الاستعمار الجديد في الساحل).

​[2] تحالف دول الساحل (AES). (2023). ميثاق ليبتاكو-غورما التأسيسي لهيكلة الدفاع المشترك والسيادة الاقتصادية. باماكو.

​[3] مجلة السياسة الدولية. (2024). التحولات الجيوسياسية في منطقة الساحل: مالي ونهاية الدور الفرنسي. مؤسسة الأهرام، القاهرة، العدد 235، ص. 88.

​[4] وزارة الشؤون الخارجية المالية. (يناير 2024). البيان الرسمي للحكومة الانتقالية بشأن إنهاء العمل باتفاق السلم والمصالحة المنبثق عن مسار الجزائر. باماكو.

​[5] وكالة الأنباء الجزائرية. (ديسمبر 2023). تقارير وتصريحات رسمية حول التطورات الأمنية في شمال مالي وتداعياتها الإقليمية.

​[6] بن حمو، محمد. (2024). صراع المحاور في الساحل الإفريقي والمبادرات الاقتصادية الإقليمية البديلة. مركز الصحراء للدراسات الاستراتيجية، ص. 67-71.

​[7] أمين، سمير. (1985). التبادل غير المتكافئ والتنمية غير المتكافئة. دار الطليعة، بيروت (إسقاط نظري على ضرورة تحرير اقتصادات الساحل وإدماجها في محيطها الإقليمي).

​[8] التريكي، فتحي. (2002). العلاقات الثقافية العربية الإفريقية: التاريخ والمستقبل. الدار التونسية للنشر، تونس، ص. 110-114.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جمال عبد الناصر: جدلية الوعي والممارسة في مسيرة قائد الأمة وباني نهضتها الحديثة بقلم: الناصر خشيني

نقف اليوم على أعتاب الذكرى الرابعة والسبعين لثورة الثالث والعشرين من يوليو (جويلية) 1952، وهي محطة لم تكن مجرد انقلاب عسكري تقليدي، بل كانت ...