التخطي إلى المحتوى الرئيسي

​مالي ومحيطها العربي: من تقليم النفوذ الفرنسي إلى فخ التوترات الإقليمية ​بقلم: الناصر خشيني



​أولاً: تقليم النفوذ الاستعماري الفرنسي (التحول نحو السيادة الصلبة)

​شهدت جمهورية مالي في السنوات الأخيرة تحولاً جذرياً في عقيدتها السياسية والأمنية، تجسد في انتفاضة الإرادة الوطنية ضد أدوات الهيمنة الغربية. ووفقاً للتحليل القومي التقدمي، فإن ما شهدته باماكو لم يكن مجرد تغيير في السلطة، بل كان خطوة تاريخية لتقليم أظافر الاستعمار الفرنسي التقليدي والجديد (Françafrique) الذي نهب ثروات الساحل لعقود [1].

​لقد نجحت الإرادة الحرة في مالي في طرد القوات الفرنسية الغازية وإنهاء الوجود العسكري الأجنبي، متحررةً من السردية النمطية التي جعلت من مالي حديقة خلفية لباريس. وفي محاولة لكسر الطوق والحصار الاقتصادي والأمني الذي فرضته القوى الإمبريالية عبر أدواتها الإقليمية مثل منظمة (إيكواس)، اتجهت مالي نحو صياغة تحالفات دولية بديلة وبناء "تحالف دول الساحل" (AES) مع بوركينا فاسو والنيجر، ككتلة جغرافية مناهضة للهيمنة تسعى لاستعادة السيادة الوطنية الصلبة على الأرض والثروات والمصير [2].

​ثانياً: جذور التوتر الراهن مع الجزائر (صدام الأجندات وسقوط الاتفاقيات)

​رغم العمق التاريخي الذي يربط مالي بمحيطها العربي، وبخاصة الجزائر التي قادت مسارات دبلوماسية لرأب الصدع في الشمال، إلا أن العلاقات بين البلدين دخلت مؤخراً نفقاً مظلماً من التوترات التصاعدية وتراشق الاتهامات [3]. ويرى التحليل التقدمي أن هذا التوتر يرجع بالأساس إلى صدام الأجندات وسقوط المقاربات التقليدية لإدارة الأزمات:

​إعلان وفاة "اتفاق الجزائر" (2015): جاء قرار باماكو الرسمي بإنهاء العمل بهذا الاتفاق نتيجة لشعور القيادة المالية بأن الاتفاق بات يشكل أداة لتقسيم المقسم، والتدخل في الشؤون الداخلية عبر احتضان حركات انفصالية مسلحة، مما يمس بالسيادة الترابية للدولة الوطنية [4].

​عسكرة الحل وسقوط التوازنات: تتبنى مالي حالياً استراتيجية الحسم العسكري وبسط نفوذ الجيش المالي على مدن الشمال (مثل كيدال)، وهو ما تراه الجزائر تهديداً مباشراً لأمنها القومي وحزامها الجنوبي، خشية أن يؤدي العنف إلى تدفق هائل للاجئين وانفجار البيئة الحدودية [5].

​صراع المحاور والإستراتيجيات البديلة: إن التوجس الجزائري من التغلغل الروسي المكثف على حدودها، يقابله توجس مالي من محاولات فرض الوصاية الإقليمية. هذا الاستقطاب تفاقم مع دخول أطراف عربية أخرى على خط الأزمة عبر تقديم بدائل ومبادرات اقتصادية لربط دول الساحل بالمحيط الأطلسي، مما جعل مالي ساحة للتجاذب الجيوسياسي بدلاً من أن تكون شريكاً في تنمية متكافئة [6].

​ثالثاً: ما السبيل لعلاقات متميزة ومستدامة بين مالي ومحيطها العربي؟

​من منظور قومي تقدمي، لا يمكن فك الارتباط الاستعماري وبناء فضاء أمني وتنموي مستقل في منطقة الساحل والصحراء دون صياغة عقد جديد يربط مالي بمحيطها العربي على أسس الندية والتكامل:

​1. الاحترام المطلق للسيادة الوطنية

​يجب على دول الجوار العربي (وخاصة الجزائر وموريتانيا) التخلي عن مقاربات "الوصاية الأمنية" الموروثة عن حقبة الحرب الباردة، والتعامل مع باماكو كدولة كاملة السيادة، واحترام خياراتها الوطنية في صياغة تحالفاتها الدولية والدفاع عن وحدة أراضيها وضبط حدودها دون تدخل خارجي.

​2. الاقتصاد التنموي كبديل للمقاربة الأمنية الفرنسية

​إن الفكاك من التبعية للشمال يتطلب استبدال المقاربة الأمنية الصرفة بـ "استراتيجية الممرات التنموية". ويتطلب ذلك:

​تفعيل الشراكات الجيواقتصادية: دعم دمج مالي (كدولة حبيسة) في المعابر البحرية والموانئ العربية (المغربية والموريتانية) لتسهيل تصدير ثرواتها من الذهب والقطن، مما يحررها من الابتزاز الغربي ويمثل تطبيقاً عملياً لمفهوم كسر "التبادل غير المتكافئ" [7].

​الاستثمارات السيادية المشتركة: توجيه الرساميل العربية للاستثمار الحقيقي في البنية التحتية، الفلاحة، والتعدين داخل مالي، لخلق تنمية حقيقية تقضي على البيئة الحاضنة للجريمة المنظمة والإرهاب الذي تغذيه القوى الاستعمارية لضمان بقائها.

​3. صياغة آلية أمنية قومية وإقليمية مستقلة

​بدلاً من الارتهان للقوى الأجنبية (سواء كانت غربية أو شرقية)، تبرز الحاجة إلى بناء آلية تنسيق أمني واستخباراتي مباشر ودائم بين دول الجوار العربي وتحالف دول الساحل (AES)، ترتكز على ضبط الحدود المشتركة وتجفيف منابع الإرهاب، باعتبار أن أمن الساحل هو امتداد عضوي للأمن القومي العربي.

​4. إحياء الدبلوماسية الثقافية والروحية

​استثمار العمق الروحي والتاريخي المشترك الذي تمثله مراكز الإشعاع الحضاري الإسلامي (مثل تمبكتو) عبر تفعيل دور المؤسسات التعليمية والدينية العربية الكبرى والروابط الصوفية المشتركة، لبناء سد منيع ضد الاختراقات الفكرية الاستعمارية وتعزيز اللحمة الشعبية بين شعوب المنطقة [8].

​رابعاً: المصادر والمراجع (الهوامش)

​[1] أمين، سمير. (1980). الأزمة الراهنة للنظام الرأسمالي والإمبريالية في إفريقيا. دار الطليعة، بيروت، ص. 142-145 (لتأصيل مفهوم التحرر والفكاك من الاستعمار الجديد في الساحل).

​[2] تحالف دول الساحل (AES). (2023). ميثاق ليبتاكو-غورما التأسيسي لهيكلة الدفاع المشترك والسيادة الاقتصادية. باماكو.

​[3] مجلة السياسة الدولية. (2024). التحولات الجيوسياسية في منطقة الساحل: مالي ونهاية الدور الفرنسي. مؤسسة الأهرام، القاهرة، العدد 235، ص. 88.

​[4] وزارة الشؤون الخارجية المالية. (يناير 2024). البيان الرسمي للحكومة الانتقالية بشأن إنهاء العمل باتفاق السلم والمصالحة المنبثق عن مسار الجزائر. باماكو.

​[5] وكالة الأنباء الجزائرية. (ديسمبر 2023). تقارير وتصريحات رسمية حول التطورات الأمنية في شمال مالي وتداعياتها الإقليمية.

​[6] بن حمو، محمد. (2024). صراع المحاور في الساحل الإفريقي والمبادرات الاقتصادية الإقليمية البديلة. مركز الصحراء للدراسات الاستراتيجية، ص. 67-71.

​[7] أمين، سمير. (1985). التبادل غير المتكافئ والتنمية غير المتكافئة. دار الطليعة، بيروت (إسقاط نظري على ضرورة تحرير اقتصادات الساحل وإدماجها في محيطها الإقليمي).

​[8] التريكي، فتحي. (2002). العلاقات الثقافية العربية الإفريقية: التاريخ والمستقبل. الدار التونسية للنشر، تونس، ص. 110-114.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...