التخطي إلى المحتوى الرئيسي

صرخة تنويرية في مهب التحولات: عندما تسبق السياسةُ الوعيَ الاجتماعي بقلم: الناصر خشيني



الأجيال العربية القادمة بحاجة إلى معرفة الحقيقة كما هي، دون تجميل أو تزييف. والتاريخ لا يرحم الذين صمتوا، كما أنه لا ينسى الذين خاضوا معارك التنوير عندما كان الفكر المتشدد والتيارات المؤدلجة في أوج سطوتها.
منذ خمسة عشر عاماً خلت، أخذت على عاتقي —من واقع تخصصي في الشريعة الإسلامية وفهمي لمقاصدها الحقيقية— مهمة تفكيك وتخطئة الأفكار الوهابية المتشددة وخطاب تيارات الإسلام السياسي. أسستُ رفقة الدكتور رياض الصيداوي "صحيفة التقدمية" في سويسرا، وجعلناها منبراً لفضح الفتاوى التي اعتبرناها ضالة ومشوهة لجوهر الدين. انتقدنا بشدة النظرة الدونية للمرأة، وسيادة الرجل المطلقة عليها، والفتاوى الممعنة في الغرابة والتي وصلت إلى حد تحريم استخدام المرأة للإنترنت إلا بوجود مَحرم (كما نُسب للشيخ سعد الغامدي)، أو تحريم قيادة السيارة، وصولاً إلى فتاوى تحريم كرة القدم، والتصوير، والفنون التشكيلية.
ولم يتوقف نقدنا عند الفتاوى الاجتماعية والاجتهادات الخاطئة، بل امتد ليفضح الانحراف الأخلاقي والسياسي في فتاوى النوازل والحروب. ولقد وقفتُ بقلمي شاهداً وناقداً ومندداً بتلك المحطة التاريخية الخطيرة عام 2013، حين اجتمع في القاهرة —إبان عهد محمد مرسي— أكثر من 500 عالم وممثل لـ 70 جمعية ومنظمة إسلامية في مؤتمر جرى فيه توجيه الأمة نحو اقتتال داخلي مدمر.
لقد انتقدتُ بشدة مخرجات ذلك الاجتماع الذي أعلن "وجوب الجهاد في سوريا" بالنفس والمال والسلاح، في وقت كانت فيه بوصلة فلسطين تُنسى وتُهمش. كان هذا التوجه انسجاماً مع الفتاوى والخطابات التحريضية الصادرة عن الشيخ يوسف القرضاوي، الذي لم يكتفِ بشرعنة الاقتتال الداخلي، بل دعا علانية إلى اغتيال القادة (مثل القذافي وبشار الأسد) وشرعن التدخلات العسكرية وقصف العواصم العربية كطرابلس ودمشق. لقد تسببت تلك الفتاوى في "أفغنة" الصراعات العربية، وسالت بسببها دماء مئات الآلاف من الأبرياء، ودُمرت أوطان بأكملها تحت غطاء ديني زائف برر الاستقواء بالخارج لتدمير الداخل.
كنا نبحث —عبر صحيفتنا وكتاباتنا— عن "إصلاح ديني وجذري" يعيد للمجتمع توازنه، ويصون دماء المسلمين، وينصف المرأة، ويصوب بوصلة الأمة نحو قضاياها الوجودية العادلة كقضية فلسطين، ويفتح الباب أمام الفنون والعلوم لمواكبة العصر ضمن إطار اجتهادي تنويري أصيل. وضغطنا بكل ما نملك من قوة الكلمة والحجة الشرعية، وانتظرنا أن تثمر هذه الجهود عن نهضة فكرية وعقلانية يقودها المثقفون المتنورون.
لكن المفارقة التاريخية المريرة، هي أن التغيير في المنطقة عندما جاء، لم يأتِ نتيجة نضج مجتمعي أو حراك فكري تقوده النخب التنويرية، بل جاء بقرار سياسي فوقي تحول بموجبه المشهد من أقصى اليمين المتشدد إلى النقيض الآخر تماماً. وبدلاً من الانفتاح العقلاني المدروس، شهدنا تحولات اتسمت بالسطحية، حيث فُتحت الأبواب لما وُصف بمهرجانات العري، وتجاوزت التنازلات الثوابت السياسية والقومية لتصل إلى التطبيع مع الكيان المحتل.
إن المرارة التي أستشعرها اليوم —والتي وثقتها في كتابي "فتاوى التقدمية" المنشور رقمياً— تنبع من رؤية التوجه الغالب وهو ينقاد لإرادة الحكام والتقلبات السياسية، لا لإرادة وفكر المثقفين المتنورين.
أكتب هذا للأجيال القادمة ليعلموا أن تحرير العقل وبناء الأوطان لا يحدث بالقفز من التشدد الأعمى والفتن المذهبية إلى الانفتاح السطحي والتطبيع، بل بالوعي، والتعليم، والاجتهاد المقاصدي الحقيقي الذي يحقن الدماء ويحفظ الهوية. ستبقى مواقفنا شهادة على مرحلة صعبة، ولن يتوقف قلم المثقف عن النقد، لأن معركة التنوير الحقيقية هي معركة بناء الإنسان وحماية الأوطان، لا معركة ترفيه عابر أو مصالح سياسية متقلبة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...