نقف اليوم على أعتاب الذكرى الرابعة والسبعين لثورة الثالث والعشرين من يوليو (جويلية) 1952، وهي محطة لم تكن مجرد انقلاب عسكري تقليدي، بل كانت زلزالاً جيو-سياسياً أعاد تشكيل خارطة الشرق الأوسط والعالم الثالث. إن قراءة مسيرة القائد الخالد جمال عبد الناصر (1918 - 1970) من منظور قومي تقدمي تفرض علينا تفكيك هذه الظاهرة الاستثنائية، ليس كحدث عابر، بل كمنهج وفكر زاوج بين التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية والوحدة القومية.
1. من حصار الفلوجة إلى القاهرة: ولادة الوعي الثوري
لم تبدأ ثورة يوليو في ثكنات القوات المسلحة، بل ولدت من رحم المأساة القومية في فلسطين عام 1948. فخلال حصار الفلوجة الشهير، وتحت دوي المدافع، صاغ جمال عبد الناصر ورفاقه أولى لبنات وعيهم السياسي والطبقي. هناك، وسط الخيانة الرسمية ونقص الذخيرة الفاسدة، أطلق عبد الناصر مقولته الاستراتيجية التي غيرت مجرى التاريخ: "إن المعركة الحقيقية ليست هنا، بل هناك في القاهرة" [1]. كان هذا الإدراك يمثل قفزة فكرية تقدمية؛ فالتحرر من الصهيونية يمر حتماً عبر تصفية عروش الفساد وإسقاط النظم الرجعية العميلة للاستعمار داخل العواصم العربية.
2. تنظيم الضباط الأحرار وصياغة المبادئ الستة
عقب العودة من فلسطين، شرع عبد الناصر في مأسسة هذا الوعي عبر تنظيم سري دقيق وهو "الضباط الأحرار". وفي ليلة 23 يوليو 1952، تحركت الطليعة الثورية لتسقط الملكية والوجود الإنجليزي وتعلن الجمهورية. ولم تكن الثورة عشوائية، بل تبلورت استراتيجيتها في المبادئ الستة الخالدة التي شكلت العقد الاجتماعي والسياسي للنظام الجديد، وهي:
- القضاء على الاستعمار وأعوانه.
- القضاء على الإقطاع.
- القضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم.
- إقامة عدالة اجتماعية.
- إقامة جيش وطني قوي.
- إقامة حياة ديمقراطية سليمة [2].
3. الصدام مع الثورة المضادة: محاولة اغتيال المنشية 1954
أمام التوجهات التقدمية للثورة، كان الصدام حتمياً مع القوى المحافظة والرجعية. وفي أكتوبر 1954 في ميدان المنشية بالإسكندرية، تعرض عبد الناصر لمحاولة اغتيال فاشلة برصاص تنظيم الإخوان المسلمين [1، 3]. لم تكن تلك الرصاصات استهدافاً لشخصه، بل كانت محاولة لإجهاض المشروع التقدمي برمته وإعادة مصر إلى مربع التبعية، غير أن رد فعل عبد الناصر الشجاع ثبّت أركان الثورة وفكك شبكات الثورة المضادة، ممهداً الطريق لبناء الدولة الوطنية الخالصة.
4. معارك السيادة: كسر احتكار السلاح وتأميم القناة 1956
انطلقت الثورة نحو انتزاع السيادة المطلقة عبر محطات تاريخية متتالية:
- اتفاقية الجلاء (1954): التي أنهت 74 عاماً من الاحتلال البريطاني ليدخل آخر جندي إنجليزي في يونيو 1956 [2، 3].
- كسر احتكار السلاح (1955): في خطوة هزت العواصم الغربية، عقد عبد الناصر صفقة الأسلحة التشيكية-السوفيتية، محطماً الفيتو الاستعماري الذي كان يمنع تسليح الجيوش العربية [1].
- تأميم قناة السويس (26 يوليو 1956): جاء الرد الناصري ممتشقاً الكرامة الوطنية إثر سحب البنك الدولي تمويل السد العالي، ليعلن إعادة القناة إلى مالكها الشرعي الشعب المصري [1، 2].
- الانتصار على العدوان الثلاثي (1956): تكالبت قوى الإمبريالية (بريطانيا، فرنسا، والكيان الصهيوني) لإسقاط النظام التحرري، غير أن صمود المقاومة الشعبية في بورسعيد والالتفاف القومي حول القيادة حول الهزيمة العسكرية إلى نصر سياسي مؤزر أنهى العصر الامبراطوري لبريطانيا وفرنسا [1].
5. المد القومي والوحدة العربية 1958: إدارة الأزمات بحكمة
بلغت الناصرية ذروتها القومية بإعلان الجمهورية العربية المتحدة عام 1958 دمجاً بين مصر وسوريا، لتتحول الوحدة من حلم رومانسي إلى حقيقة دستورية وجغرافية [2]. وعندما وقعت مؤامرة الانفصال عام 1961 بتواطؤ رجعي وإقليمي، تجلت حكمة عبد الناصر التقدمية؛ حيث رفض توجيه الجيش المصري لضرب السوريين، معلناً أن "الوحدة لا يمكن أن تحمى بقوة السلاح، وأن الدم العربي على الأرض العربية محرم"، مفضلاً صون الفكرة القومية في الوجدان على خوض حرب أهلية تخدم الأعداء.
6. القلعة الاقتصادية: 1200 مصنع والاشتراكية العلمية
لم تكن الاشتراكية عند عبد الناصر ترفاً فكرياً، بل كانت أداة لتمكين الطبقات المسحوقة من العمال والفلاحين. عبر "القرارات الاشتراكية الموجهة"، تم بناء أكبر قاعدة صناعية في العالم الثالث بتأسيس 1200 مصنع شملت الصناعات الثقيلة كالحديد والصلب في حلوان، ومصانع الألومنيوم في نجع حمادي، وصناعات الغزل والنسيج [3]. وتوجت هذه الملحمة ببناء السد العالي وتأسيس برج القاهرة الذي بُني بأموال الرشوة التي قدمتها المخابرات الأمريكية (CIA) عبر رجلها "كوبلاند" للتأثير على مواقف مصر، فحولها ناصر إلى صرح إسمنتي يخلد سخرية الثورة من الدبلوماسية الدولارية الأمريكية [2].
7. البعد الأممي وثورة اليمن واللااءات الثلاث
تجاوزت الناصرية الأفق المحلي لتصبح قبلةً لكل حركات التحرر في العالم. فدعمت مصر بالمال والسلاح ثورة المليون ونصف المليون شهيد في الجزائر، وثورات إفريقيا (لومومبا في الكونغو، ونكروما في غانا)، وصولاً إلى قيادة تأسيس حركة عدم الانحياز (مؤتمر باندونج 1955) رفقة تيتو ونهرو [1]. ولم تتوانَ الثورة عن خوض معركتها ضد الرجعية العربية، فدفعت بالجيش المصري إلى اليمن عام 1962 لحماية الثورة اليمنية الوليدة وتثبيت كرامة الإنسان العربي هناك.
وعندما وقعت نكسة يونيو 1967 كطعنة إمبريالية غادرة لإيقاف هذا المد التحرري، رفض عبد الناصر الاستسلام والتوقيع على صك الهزيمة. تنحى عن الحكم فخرجت الجماهير تهتف "لا تنحى"، ليعود واضعاً مبادئ الصمود في مؤتمر الخرطوم باللاءات الثلاث: "لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف بإسرائيل" [1، 4]، ويبدأ فوراً في التأسيس لـ حرب الاستنزاف البطولية وبناء حائط الصواريخ، مؤكداً أن "ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة".
هوامش ومراجع المقال:
- هيكل، محمد حسنين (1983). ملفات السويس: خفايا وأسرار الثورة والعدوان، القاهرة: مركز الأهرام للترجمة والنشر، ص 89-102.
- عبد الناصر، جمال (1954). فلسفة الثورة، القاهرة: دار المعارف، ص 34-40.
- أنيس، محمد (1975). دراسات في تاريخ ثورة 23 يوليو، القاهرة: مكتبة مدبولي، ص 142-150.
- شرف، عبد العزيز (1988). الفكر السياسي والاجتماعي في عهد جمال عبد الناصر، بيروت: دار الطليعة، ص 210-218.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق