التخطي إلى المحتوى الرئيسي

خداع ترامب الجديد... وإيران التي لقّنت واشنطن درس الردع بقلم: الناصر خشيني



مدخل

كل اتفاق وقّعته واشنطن مع طهران في العقود الأخيرة كان جسراً إلى خرق جديد، لا إلى سلام حقيقي. هذه ليست مصادفة، بل بنية متكررة في العقل الاستراتيجي الأمريكي الذي يرى في المفاوضات أداة لكسب الوقت، لا التزاماً بالكلمة. وها هي الإدارة الأمريكية، بعد أشهر من التلويح بالتفاوض، تُقدم على ما وصفه ترامب نفسه بأن إيران "ستدفع الثمن"، في تصعيد عسكري مباشر تجاوز كل الخطوط التي كانت تُرسم سابقاً كحدود للاشتباك غير المعلن.

الرد الذي لم يكن ينتظره أحد بهذا الاتساع

المعطيات الواردة من مصادر إيرانية ومقاومة تتحدث عن عملية متعددة الجبهات، طالت في وقت متزامن تقريباً قواعد ومنشآت أمريكية في سوريا والكويت والأردن والبحرين، إضافة إلى استهداف مواقع في قطر وعُمان والعراق بحسب تقارير دولية موثقة. وبحسب بيان الحرس الثوري، استُهدف 21 موقعاً أمريكياً، من بينها حظيرة لطائرات F-35 في قاعدة الأزرق الأردنية، إلى جانب ضربات صاروخية ومسيّرة طالت قاعدة "علي السالم" في الكويت والأسطول الخامس في البحرين.

هذه ليست "مناوشة" بالمعنى العسكري التقليدي. إنها رسالة ردع مركّبة، صيغت لتقول لواشنطن إن أي عدوان على الأراضي الإيرانية سيُقابَل بثمن يتوزع على كامل الخريطة التي تنتشر فيها القواعد الأمريكية في المنطقة — لا في إيران وحدها.

التنف: رمزية الأرض التي لا تُنسى

الرواية الإيرانية تتحدث عن استهداف "التنف" كرد على ما وصفته بضربة أمريكية قرب مستشفى للأطفال المصابين بالسرطان في إيران. صحيح أن القوات الأمريكية كانت قد أعلنت انسحابها الرسمي من هذه القاعدة في فبراير الماضي ضمن إعادة انتشار أوسع، لكن الرمزية هنا أهم من التفاصيل اللوجستية: التنف كانت لعقد كامل عنوان الوجود الأمريكي غير الشرعي على الأرض السورية، واستهدافها — ولو رمزياً أو جزئياً — يحمل رسالة أن "الاستكبار" لا يملك أرضاً آمنة في هذا الإقليم، حتى بعد أن أخلاها.

الخليج: حين تتحول القواعد إلى عبء أمني على مضيفيها

الأخطر في هذا التصعيد ليس فقط الخسائر المادية المزعومة في الكويت والأردن والبحرين، بل السؤال الذي بات يُطرح بإلحاح متزايد في دول الخليج نفسها: إلى متى تبقى هذه القواعد ثمناً تدفعه شعوب لا ناقة لها ولا جمل في حرب لا تخوضها؟ حين تتحول مدن مثل الدوحة والمنامة إلى ساحات تُطلق فيها صفارات الإنذار وتُغلق فيها الأجواء، يصبح السؤال عن جدوى استضافة القواعد الأمريكية سؤالاً وجودياً لا سياسياً فقط.

قراءة في الخطاب لا في الحقائق وحدها

من المهم، كصحافيين وكتّاب رأي، أن نميّز بين ما تؤكده المصادر الدولية المستقلة وما تعلنه الأطراف المتحاربة عن نفسها. الحرس الثوري يتحدث عن نجاح شبه كامل في ضرب أهدافه؛ واشنطن، في المقابل، لم تصدر حصراً رسمياً شاملاً للخسائر. هذا الغموض بالذات هو سلاح إيراني بامتياز: فحتى لو كانت الأضرار الفعلية أقل مما تصفه البيانات الإيرانية، فإن مجرد قدرة طهران على تنفيذ ضربة متعددة الجبهات، متزامنة، وصلت إلى ست دول في وقت واحد تقريباً، هي بحد ذاتها رسالة ردع تفوق قيمتها العسكرية المباشرة.

السر الذي يتكتم عليه البنتاغون: صمت يتحدث أكثر من أي بيان

في مقابل الحماس الإعلامي الإيراني بنشر تفاصيل كل ضربة ومعداتها ونتائجها، يلتزم البنتاغون بصمت مطبق يثير أكثر مما يهدئ. فمنذ الليلة الأولى للتصعيد، لم تصدر واشنطن حصيلة رسمية شاملة للخسائر البشرية أو المادية في قواعدها بالمنطقة، مكتفية ببيانات مقتضبة تتحدث عن "اعتراض ناجح" لمعظم التهديدات، دون تفاصيل تُذكر عن حجم الأضرار الفعلية أو عدد المصابين.

هذا النمط ليس جديداً على العقيدة العسكرية الأمريكية. فمنذ حرب فيتنام، ومروراً بالعراق وأفغانستان، دأب البنتاغون على تبني سياسة "التعتيم الانتقائي": الإعلان السريع عن أي نجاح عسكري، مقابل تأخير أو تجزئة أو حتى حجب الأرقام الحقيقية للخسائر، تحت ذريعة "الأمن التشغيلي" أو "عدم منح العدو معلومات استخباراتية". لكن خلف هذه الذريعة التقنية، تكمن حسابات سياسية أعمق: فالرأي العام الأمريكي، الذي أنهكته حروب الشرق الأوسط الطويلة، لا يحتمل صوراً جديدة لتوابيت ملفوفة بالعلم الأمريكي وهي تعود من قواعد لم يسمع بأسمائها أغلب الناخبين أصلاً.

أما دور الإعلام الغربي السائد في هذا المشهد فليس بريئاً بدوره. فالتغطية التي تصف الضربات الإيرانية بـ"محدودة" أو "رمزية"، دون انتظار تأكيد مستقل لحجم الأضرار، تعكس انحيازاً بنيوياً أقرب إلى الاصطفاف السياسي منه إلى الحياد المهني. حين تتحول عبارات مثل "مصادر دفاعية رفضت التعليق" إلى الصيغة الوحيدة المتاحة للجمهور الغربي، فإن الفراغ الذي يتركه هذا الصمت الرسمي والإعلامي يصبح مساحة مفتوحة للتساؤل المشروع: هل الحصيلة الحقيقية للضربات الإيرانية أكبر بكثير مما تعترف به واشنطن؟ وهل يخشى البنتاغون أن الاعتراف الكامل بحجم الأضرار سيكشف هشاشة منظومة الدفاع الجوي الأمريكية المنتشرة في المنطقة، بعد عقود من الترويج لها كدرع لا يُخترق؟

خاتمة: معادلة "الرد بالرد"

ما يجري اليوم ليس مجرد جولة تصعيد عابرة، بل اختبار حقيقي لمعادلة جديدة تحاول طهران فرضها: كل عدوان أمريكي أو إسرائيلي سيُقابَل برد يتجاوز الحدود الإيرانية نفسها ليطال شبكة الوجود العسكري الأمريكي بأكملها في المنطقة. وفي المقابل، صمت البنتاغون لا يخدم الشفافية بقدر ما يخدم سردية سياسية داخلية تحاول إدارة ترامب من خلالها تجنب الإحراج، وتأجيل لحظة الحساب أمام كونغرس وناخبين متعبين من حروب لا نهاية لها. سواء نجحت هذه المعادلة في ردع واشنطن أو لا، فإنها تعيد كتابة قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط، وتضع شعوب المنطقة — لا حكوماتها فقط — أمام سؤال الثمن الحقيقي لاستضافة حروب الآخرين على أراضيها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...