التخطي إلى المحتوى الرئيسي

عبد الله رشدي: الردة العقلية وتأميم المقاصد باسم التراث بقلم: الناصر خشيني ضمن سلسلة: دعاة على أبواب جهنم


   يدخل الوطن العربي القرن الحادي والعشرين وهو يئن تحت وطأة أزمات مركبة، لعل أخطرها هي أزمة "تأميم العقل" واختطاف الجوهر الإنساني والتحرري للدين لصالح قراءات نصية جامدة. وفي هذا السياق، يبرز نموذج الشيخ عبد الله رشدي كظاهرة صوتية وإعلامية وجدت كل التشجيع المالي والاعلامي والسياسي لانها تجسد السلفية المعاصرة في أقسى تجلياتها التراثية. إن خطابه لا يمثل مجرد رأي فقهي مغاير، بل هو قفزة إلى الوراء، و"ردة عقلية" كاملة الأركان تنقلب على المقاصد العليا للإسلام، وتستبدل النص الإلهي الحي باجتهادات بشرية تاريخية أُلبست ثوب القداسة زوراً وبهتاناً.

أولاً: معضلة "التاريخانية" وتحويل البشري إلى إلهي
تكمن الأزمة البنيوية في فكر عبد الله رشدي في عجزه العضوي عن التفرقة بين "الدين" كقيم مطلقة وعابرة للزمان والمكان، وبين "التدين" كتمثل بشري محكوم بظروف اللحظة التاريخية.
إن الفقه الذي يستميت رشدي في الدفاع عنه ويقدمه كقالب إلزامي للمسلم المعاصر، هو نتاج بيئات عباسية ومملوكية كان لها موازين قواها، ونظامها الاجتماعي، ومنظومتها المعرفية. وحين يُصر هذا الخطاب على إسقاط حلول القرن الرابع الهجري على إشكاليات القرن الحادي والعشرين، فإنه يمارس عملية "تحنيط للعقل المسلم"، ويحرم المجتمع العربي من حقه الطبيعي في التطور والتقدم والنهوض.
ثانياً: شواهد "الردة الفكرية" من واقع الخطاب (توثيق المواقف)
لم يكن هذا النقد نتاج تجني، بل هو قراءة متأنية في مواقف وفتاوى موثقة أطلقها رشدي عبر منصاته، والتي تعكس بوضوح الصدام مع قيم العصر والمواطنة:
  • مأزق التكفير وإقصاء الآخر المذهبي والديني: في أكثر من مناسبة (أبرزها تصريحاته الشهيرة عقب وفاة الدكتور مجدي يعقوب والجدل حول موقفه من غير المسلمين)، أصر رشدي على إحياء أدبيات "الولاء والبراء" وتصنيف المواطنين على أساس عقدي ضيق. هذا الفكر يضرب مفهوم "الدولة الوطنية الحديثة" في مقتل، ويهدم قيم المواطنة والعيش المشترك التي ناضلت من أجلها القوى التقدمية والقومية العربية لعقود.
  • تسليع المرأة وهدر كرامتها الإنسانية: يمثل خطاب رشدي تجاه المرأة ارتداداً عن المكتسبات التحررية. فمن خلال تبريراته لقضايا مثل "زواج القاصرات" (بدعوى وجود أصل تراثي له)، أو تصريحاته المثيرة للجدل حول "التحرش" وربطه بملابس المرأة، يثبت أنه ينظر للمرأة من خلال عدسة "الحيازة والوصاية" البيولوجية التراثية، معطلاً المقصد الشريعي الأسمى وهو "حفظ الكرامة الإنسانية للرجل والمرأة على حد سواء".
  • شرعنة العنف الفكري والاستعلاء الحِجاجي: يعتمد رشدي أسلوباً مناظراتياً يقوم على "إفحام المخالف" وسحقه معنوياً بدلاً من محاورته. هذا السلوك يعيد إنتاج عقلية "الفرقة الناجية" التي ترى في كل قراءة تجديدية أو عقلانية خروجاً عن الملة، مما يغلق باب الاجتهاد بالكامل ويشرعن مناخ التطرف الفكري.
ثالثاً: الانقلاب على المقاصد العليا للشريعة
إن المقاصد الكبرى للإسلام (حفظ النفس، العقل، الدين، النسل، المال) جاءت لخدمة الإنسان وتحريره. لكن الخطاب السلفي الرشدي يقدم "الوسيلة التراثية التاريخية" على "الغاية الإنسانية".
حين يصبح حفظ الدين فتاوى تكفيرية، وحين يصبح حفظ العقل إلغاءً لمنجزات العلوم الإنسانية الحديثة، نكون أمام "انقلاب مقاصدي". لقد حوّل هذا الفكر الدين من طاقة دافعة للتحرر والعدالة الاجتماعية والبناء الحضاري، إلى سياج من الممنوعات والشروط الشكلية التي تستنزف طاقة الشباب العربي في معارك وهمية وهامشية.
رابعاً: المنظور القومي التقدمي ومواجهة التخدير السلفي
من موقعنا القومي والتقدمي، نرى أن ظاهرة عبد الله رشدي وأقرانه ليست مجرد "ظاهرة دينية"، بل هي أداة وظيفية لتخدير الجماهير العربية. ففي الوقت الذي تحتاج فيه الأمة العربية إلى حشد طاقاتها لمواجهة التبعية الاقتصادية، والجهل، والتخلف الحضاري، ومخططات الهيمنة الخارجية، يأتي هذا الخطاب ليشغل العقل الجمعي بقضايا الحجاب، والقبور، وعذاب القبر، ونكاح ملك اليمين!
إنها تهميش متعمد للصراع الحقيقي؛ صراع التحرر والنهضة. إن التدين التراثي البشري الذي يبشر به رشدي يعزل الإنسان العربي عن قضايا أمته المصيرية، ويصنع مواطناً مستسلماً للماضي، عاجزاً عن صناعة الحاضر أو استشراف المستقبل.
خاتمة: نحو ثورة فكرية تصحح المسار
إن مواجهة الفكر السلفي الجامع الذي يمثله عبد الله رشدي لا تكون بالمنع أو الإقصاء، بل بالثورة الفكرية الشاملة التي تعيد للاجتهاد العقلي اعتباره، وتنزع القداسة عن أفكار البشر التاريخية. الإسلام في جوهره ثورة تقدمية على الجمود والتقليد ("إنّا وجدنا آباءنا على أمة")، والعودة إلى هذا الجوهر الثوري والمقاصدي هي السبيل الوحيد لإنقاذ العقل العربي من الهاوية التي يقوده إليها دعاة يقفون، بوعي أو بدون وعي، على أبواب جهنم التخلف الحضاري.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...