السبت، 25 يوليو 2026

عبد الله رشدي: الردة العقلية وتأميم المقاصد باسم التراث بقلم: الناصر خشيني ضمن سلسلة: دعاة على أبواب جهنم


   يدخل الوطن العربي القرن الحادي والعشرين وهو يئن تحت وطأة أزمات مركبة، لعل أخطرها هي أزمة "تأميم العقل" واختطاف الجوهر الإنساني والتحرري للدين لصالح قراءات نصية جامدة. وفي هذا السياق، يبرز نموذج الشيخ عبد الله رشدي كظاهرة صوتية وإعلامية وجدت كل التشجيع المالي والاعلامي والسياسي لانها تجسد السلفية المعاصرة في أقسى تجلياتها التراثية. إن خطابه لا يمثل مجرد رأي فقهي مغاير، بل هو قفزة إلى الوراء، و"ردة عقلية" كاملة الأركان تنقلب على المقاصد العليا للإسلام، وتستبدل النص الإلهي الحي باجتهادات بشرية تاريخية أُلبست ثوب القداسة زوراً وبهتاناً.

أولاً: معضلة "التاريخانية" وتحويل البشري إلى إلهي
تكمن الأزمة البنيوية في فكر عبد الله رشدي في عجزه العضوي عن التفرقة بين "الدين" كقيم مطلقة وعابرة للزمان والمكان، وبين "التدين" كتمثل بشري محكوم بظروف اللحظة التاريخية.
إن الفقه الذي يستميت رشدي في الدفاع عنه ويقدمه كقالب إلزامي للمسلم المعاصر، هو نتاج بيئات عباسية ومملوكية كان لها موازين قواها، ونظامها الاجتماعي، ومنظومتها المعرفية. وحين يُصر هذا الخطاب على إسقاط حلول القرن الرابع الهجري على إشكاليات القرن الحادي والعشرين، فإنه يمارس عملية "تحنيط للعقل المسلم"، ويحرم المجتمع العربي من حقه الطبيعي في التطور والتقدم والنهوض.
ثانياً: شواهد "الردة الفكرية" من واقع الخطاب (توثيق المواقف)
لم يكن هذا النقد نتاج تجني، بل هو قراءة متأنية في مواقف وفتاوى موثقة أطلقها رشدي عبر منصاته، والتي تعكس بوضوح الصدام مع قيم العصر والمواطنة:
  • مأزق التكفير وإقصاء الآخر المذهبي والديني: في أكثر من مناسبة (أبرزها تصريحاته الشهيرة عقب وفاة الدكتور مجدي يعقوب والجدل حول موقفه من غير المسلمين)، أصر رشدي على إحياء أدبيات "الولاء والبراء" وتصنيف المواطنين على أساس عقدي ضيق. هذا الفكر يضرب مفهوم "الدولة الوطنية الحديثة" في مقتل، ويهدم قيم المواطنة والعيش المشترك التي ناضلت من أجلها القوى التقدمية والقومية العربية لعقود.
  • تسليع المرأة وهدر كرامتها الإنسانية: يمثل خطاب رشدي تجاه المرأة ارتداداً عن المكتسبات التحررية. فمن خلال تبريراته لقضايا مثل "زواج القاصرات" (بدعوى وجود أصل تراثي له)، أو تصريحاته المثيرة للجدل حول "التحرش" وربطه بملابس المرأة، يثبت أنه ينظر للمرأة من خلال عدسة "الحيازة والوصاية" البيولوجية التراثية، معطلاً المقصد الشريعي الأسمى وهو "حفظ الكرامة الإنسانية للرجل والمرأة على حد سواء".
  • شرعنة العنف الفكري والاستعلاء الحِجاجي: يعتمد رشدي أسلوباً مناظراتياً يقوم على "إفحام المخالف" وسحقه معنوياً بدلاً من محاورته. هذا السلوك يعيد إنتاج عقلية "الفرقة الناجية" التي ترى في كل قراءة تجديدية أو عقلانية خروجاً عن الملة، مما يغلق باب الاجتهاد بالكامل ويشرعن مناخ التطرف الفكري.
ثالثاً: الانقلاب على المقاصد العليا للشريعة
إن المقاصد الكبرى للإسلام (حفظ النفس، العقل، الدين، النسل، المال) جاءت لخدمة الإنسان وتحريره. لكن الخطاب السلفي الرشدي يقدم "الوسيلة التراثية التاريخية" على "الغاية الإنسانية".
حين يصبح حفظ الدين فتاوى تكفيرية، وحين يصبح حفظ العقل إلغاءً لمنجزات العلوم الإنسانية الحديثة، نكون أمام "انقلاب مقاصدي". لقد حوّل هذا الفكر الدين من طاقة دافعة للتحرر والعدالة الاجتماعية والبناء الحضاري، إلى سياج من الممنوعات والشروط الشكلية التي تستنزف طاقة الشباب العربي في معارك وهمية وهامشية.
رابعاً: المنظور القومي التقدمي ومواجهة التخدير السلفي
من موقعنا القومي والتقدمي، نرى أن ظاهرة عبد الله رشدي وأقرانه ليست مجرد "ظاهرة دينية"، بل هي أداة وظيفية لتخدير الجماهير العربية. ففي الوقت الذي تحتاج فيه الأمة العربية إلى حشد طاقاتها لمواجهة التبعية الاقتصادية، والجهل، والتخلف الحضاري، ومخططات الهيمنة الخارجية، يأتي هذا الخطاب ليشغل العقل الجمعي بقضايا الحجاب، والقبور، وعذاب القبر، ونكاح ملك اليمين!
إنها تهميش متعمد للصراع الحقيقي؛ صراع التحرر والنهضة. إن التدين التراثي البشري الذي يبشر به رشدي يعزل الإنسان العربي عن قضايا أمته المصيرية، ويصنع مواطناً مستسلماً للماضي، عاجزاً عن صناعة الحاضر أو استشراف المستقبل.
خاتمة: نحو ثورة فكرية تصحح المسار
إن مواجهة الفكر السلفي الجامع الذي يمثله عبد الله رشدي لا تكون بالمنع أو الإقصاء، بل بالثورة الفكرية الشاملة التي تعيد للاجتهاد العقلي اعتباره، وتنزع القداسة عن أفكار البشر التاريخية. الإسلام في جوهره ثورة تقدمية على الجمود والتقليد ("إنّا وجدنا آباءنا على أمة")، والعودة إلى هذا الجوهر الثوري والمقاصدي هي السبيل الوحيد لإنقاذ العقل العربي من الهاوية التي يقوده إليها دعاة يقفون، بوعي أو بدون وعي، على أبواب جهنم التخلف الحضاري.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

سلسلة دعاة على ابواب جهنم :المتشدد عائض القرني.. سارق الكتاب وصانع الغلو بقلم الناصر خشيني

    يتصدر المشهد في قراءة تفكيكية لرموز الفكر الظلامي، الداعية السعودي عائض القرني؛ كنموذج صارخ يجمع بين الغلو الفكري والزيف الأخلاقي والقي...