التخطي إلى المحتوى الرئيسي

فرحات حشاد.. عبقرية الممارسة النقابية والشهادة في سبيل السيادة الوطنية التونسية بقلم: الناصر خشيني

 


يمثل الشهيد القائد فرحات حشاد (1914-1952) أحد أبرز رموز النضال الوطني والقومي في المغرب العربي؛ إذ نجح بعبقريته الفكرية والتنظيمية في صهر النضال الاجتماعي المطلبي مع معركة التحرر الوطني والسياسي ضد الاستعمار الفرنسي [5]. حشاد لم يكن مجرد نقابي تقليدي ينحصر دوره في تحسين شروط الاستغلال، بل كان طليعة تقدمية استوعبت أن تحرر الطبقة العاملة التونسية لا ينفصل عن طرد المستعمر وبناء الدولة الوطنية المستقلة ذات الأفق العروبي [5].
النشأة العمالية وتأسيس الاتحاد العام التونسي للشغل
ولد فرحات حشاد عام 1914 في بلدة العباسية بجزر قرقنة التونسية لأسرة كادحة تمتهن الصيد البحري [6]. اضطر لترك دراسته مبكراً والعمل في شركة النقل بالساحل (سوسة)، حيث عايش عن قرب بؤس العمال التونسيين والتمييز العنصري والمادي الذي كان يمارسه المستعمر لصالح العمال الأجانب [6].
انخرط حشاد في البداية داخل نقابة "الكونفدرالية العامة للشغل" (CGT) الفرنسية، لكنه سرعان ما اكتشف عجزها وتبنيها للمركزية الفرنسية وإهمالها لحقوق العمال التونسيين وقضيتهم الوطنية [7]. قاده هذا الوعي التقدمي المبكر رفقة ثلة من رفاقه إلى تأسيس الاتحاد العام التونسي للشغل (UGTT) في 20 جانفي 1946، ليكون أول منظمة نقابية عمالية مستقلة تماماً في العالم العربي وإفريقيا [7].
المنهج التقدمي لحشاد: صهر الاجتماعي بالوطني
تميز المنهج الفكري لحشاد برؤية ثاقبة تختزلها مقولته الشهيرة: "أحبك يا شعب" [5]. جعل حشاد من الاتحاد العام التونسي للشغل القوة التنظيمية الأكثر تماسكاً وتأثيراً في البلاد [7]. وعندما أقدمت السلطات الاستعمارية الفرنسية على اعتقال قيادات الحزب الحر الدستوري الجديد ونفيهم عام 1952، تحول الاتحاد بقيادة حشاد إلى القائد الفعلي والعمود الفقري للمقاومة الوطنية والتعبئة الشعبية [8].
لم يقتصر دور حشاد على الساحة المحلية؛ بل امتد نشاطه إلى الفضاء المغاربي والعربي، ساعياً إلى بناء جبهة نقابية مغاربية موحدة ضد الاستعمار الفرنسي، ومدافعاً عن القضية الفلسطينية وقضايا التحرر القومي في المحافل النقابية الدولية (مثل الجامعة العالمية للنقابات الحرة) [8].
الاغتيال والخلود: اليد الحمراء وتأجيج الثورة
شكل فرحات حشاد، بعبقريته التنظيمية وقدرته الفائقة على تحريك الشارع وتدويل القضية التونسية، تهديداً وجودياً للمصالح الاستعمارية الفرنسية [9]. وأمام عجزها عن ترويضه أو ثنيه، أوعزت المخابرات الفرنسية لعصابتها الإرهابية السرية المعروفة باسم "اليد الحمراء" (La Main Rouge) لتصفيته جسدياً [9].
في صباح 5 ديسمبر 1952، تعقبت العصابة سيارته في ضواحي تونس العاصمة وأطلقت عليه وابلاً من الرصاص، ثم أجهزت عليه لتصعد روحه شهيدة شاهدة على بشاعة الفاشية الاستعمارية [9].
فجّر اغتيال حشاد موجة عارمة من الاحتجاجات والإضرابات الهائلة ليس في تونس فحسب، بل في الدار البيضاء، والجزائر، والقاهرة، وبيروت، وتحول دمه إلى الوقود الذي عجّل باندلاع الكفاح المسلح في تونس حتى نيل الاستقلال والسيادة [8]. يظل فرحات حشاد في الذاكرة القومية التقدمية نموذجاً فريداً للقائد العمالي الذي جعل من عرق الشغالين وبنادق المقاومين طريقاً واحداً لكرامة الوطن والأمة [5].

الهامش والمصادر (مقال فرحات حشاد)
[5] التيمومي، الهادي، تاريخ تونس الحديث والمعاصر 1881-1956، تونس: دار التنوير، 2007، ص 142-148.
[6] بن حميدة، أحمد، الحركة النقابية التونسية: النشأة والتطور، تونس: مؤسسة علي بلهوان، 1984، ص 65-72.
[7] الاتحاد العام التونسي للشغل، فرحات حشاد: حياته، جهاده، استشهاده، تونس: منشورات الاتحاد، 1977، ص 18-24.
[8] بلاغ، منصف، الحركة الوطنية التونسية وفضاء التحرر العربي، تونس: دار سراس للنشر، 1999، ص 105-110.
[9] كازاماجور، سيرج، الاغتيالات السياسية في تونس الاستعمارية: ملف فرحات حشاد، باريس: منشورات لارماتان، 2002، ص 88-95.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...