التخطي إلى المحتوى الرئيسي

القاهرة: حاضرة التاريخ وقاهرة المعتدين وعاصمة العروبة النابضة بقلم الناصر خشيني



إذا كانت المدن تقاس بأعمارها، فالقاهرة تقاس بانتصاراتها وقدرتها على صد الغزاة؛ فهي التي سُميت "القاهرة" لأنها تقهر كل من يعتدي عليها. وإذا كان لها تاريخ حافل كعاصمة للفاطميين والمماليك، فإن تاريخها الحديث قد كُتب بمداد من نور عندما تحولت في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، تحت قيادة الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، إلى عاصمة للعروبة، وقلعة للصمود القومي، وملاذاً لحركات التحرر في العالم أجمع.
 التأسيس والنشأة: مدينة الألف مئذنة
    تتمتع القاهرة بموقع استراتيجي عبقري يربط بين وادي النيل والدلتا، مما جعلها مركزاً للحكم عبر العصور:
  • التأسيس الفاطمي: أسسها القائد جوهر الصقلي عام 358 للهجرة (969 ميلادي) بأمر من الخليفة المعز لدين الله الفاطمي لتكون عاصمة للدولة الفاطمية.
  • قاهرة المعتدين: تجسد هذا الاسم تاريخياً عندما أصبحت المدينة القاعدة الأساسية للجيوش العربية الإسلامية التي دحرت التتار والمغول في معركة "عين جالوت" بقيادة سيف الدين قطز، وكسرت شوكة الحملات الصليبية.
شواهد الحضارة: أبرز معالم القاهرة التاريخية والأثرية
تزخر القاهرة بمعالم أثرية فريدة جعلت منظمة اليونسكو تصنف "القاهرة التاريخية" كموقع تراث عالمي:
  • الجامع الأزهر الشريف: أُسس بالتزامن مع بناء المدينة، وتحول من مسجد فاطمي إلى أعظم جامعة إسلامية وعلمية في العالم، وكان دائماً معقلاً للثورة ومقاومة المستعمرين الفرنسيين والبريطانيين.
  • قلعة صلاح الدين الأيوبي: حصن عسكري مهيب يتربع على جبل المقطم، أسسها القائد صلاح الدين لتكون مقراً للحكم ودرعاً لحماية المدينة.
  • شارع المعز لدين الله الفاطمي: أكبر متحف مفتوح للآثار الإسلامية في العالم، يضم مساجد، ومدارس، وأسبلة، وبيمارستانات (مستشفيات قديمة) تعكس روعة العمارة المملوكية والفاطمية.
  • خان الخليلي وحي الحسين: قلب القاهرة النابض بالروح الشعبية، حيث تلتقي المقاهي التاريخية كمقهى الفيشاوي بأسواق الحرف اليدوية والشرقية التقليدية.
 عهد عبد الناصر: العصر الذهبي للقومية العربية
لم تكن القاهرة مجرد عاصمة محلية، بل أصبحت في عهد الثورة وجمال عبد الناصر مركز الثقل السياسي والإعلامي للأمة العربية:
  • صوت العرب: من القاهرة، انطلق صوت الثورة العربية عبر الإذاعة ليلهب حماس الجماهير من المحيط إلى الخليج، ويدعم ثورات التحرير في الجزائر، واليمن، والعراق، وعمان.
  • معركة السويس 1956: عندما أعلن عبد الناصر تأميم قناة السويس، وتصدت القاهرة ببسالة وشجاعة للعدوان الثلاثي (البريطاني، الفرنسي، والصهيوني)، فتحولت المدينة إلى رمز عالمي لمقاومة الإمبريالية والاستعمار.
  • الوحدة العربية: شهدت القاهرة إعلان قيام الجمهورية العربية المتحدة (الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958)، لتؤكد دورها التاريخي كعاصمة تجمع الشتات العربي وتصوغ مشروعاً قومياً نهضوياً.
 خاتمة المقال: دور متجدد وآمال مرتقبة
تبقى القاهرة "قاهرة المعتدين" وعنواناً كبيراً لكرامة هذه الأمة وعزتها. ورغم تبدل الظروف وتراجع المد القومي في بعض الفترات، فإن 
 المؤمن بأمته، يدرك تماماً أن معافاة الجسد العربي بأكمله ترتبط ارتباطاً وثيقاً بوعي ودور القاهرة وقدرتها على قيادة الدبلوماسية العربية. إن التاريخ يعلمنا أن القاهرة عندما تنهض، تنهض الأمة العربية بأسرها معها، لتظل دائماً كما أرادها عبد الناصر والأحرار: درعاً وسيفاً للحق العربي، ومحركاً أساسياً نحو التحرر، والسيادة، والوحدة الكاملة.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...