التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الصمت المغربي تجاه سبتة ومليلية والجزر المحتلة مقابل معركة الصحراء بقلم: الناصر خشيني



منذ أكثر من عقد من الزمان، كتبتُ محذراً من خطورة الموقف العربي والمغربي المهادن تجاه أقدم استعمار أوروبي مباشر ما زال جاثماً على الأراضي الإفريقية والعربية. واليوم، ونحن في عام 2026، أجد نفسي مضطراً لإعادة قراءة هذا الملف الشائك على ضوء تطورات دراماتيكية غيّرت وجه الدبلوماسية في المنطقة. إن المشهد الراهن لم يعد مجرد قصة احتلال مستمر منذ قرون لمدينتي سبتة ومليلية، بل تحول إلى معادلة سياسية معقدة تُقايَض فيها الجغرافيا، وتتأجل فيها معارك التحرير السيادي في الشمال مقابل تثبيت المكاسب في الصحراء بالجنوب (1).
جغرافيا أسيرة في طي النسيان
عندما نتحدث عن الاحتلال الإسباني، فإن الذاكرة الرسمية والإعلامية غالباً ما تختزل القضية في سبتة ومليلية، مغفلةً أرخبيلاً كاملاً من الجزر الصخرية المغربية الاستراتيجية التي تطوقها البوارج الإسبانية (2). إنها الجزر الجعفرية (شفاريناس) الثلاث القابعة قبالة سواحل الناظور، وجزر الحسيمة (النكور والبرهان ونوبيس)، وشبه جزيرة باديس (صخرة قميرة) التي تحولت بفعل الطبيعة إلى أرض متصلة باليابس المغربي ويفصلها عن السيادة المغربية سياج حدودي واهن، وصولاً إلى جزيرة ليلى (تورا) التي شهدت آخر استعراض عسكري لفرض الأمر الواقع عام 2002.
هذه الأراضي ليست مجرد صخور في البحر، بل هي ثغور مستعمرة تمثل خرقاً صارخاً لسيادة الأمة العربية، ومع ذلك، يلفها اليوم صمت رسمي مغربي مطبق يعكس تحولاً جذرياً في أولويات الرباط.
معيار "النظارة السوداء": رهن الشمال من أجل الجنوب
لقد حدد المغرب بوضوح قاعدته الدبلوماسية الجديدة حين أعلن أن "ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها إلى العالم". هذا التوجه جعل الدبلوماسية المغربية تضع كل بيضها في سلة ملف الصحراء الغربية، جاعلةً منه المعيار الوحيد لتقييم الشراكات والصداقات الدولية (3).
هذا التركيز المكثف أنتج "العصر الذهبي" الراهن في العلاقات بين الرباط ومدريد، خاصة بعد اعتراف حكومة "بيدرو سانشيز" الإسبانية بمبادرة الحكم الذاتي المغربية للصحراء (4). ولكن، ما هو الثمن الذي دُفع في المقابل؟ الثمن كان واشياً وصادماً: إدخال ملف سبتة ومليلية والجزر المحتلة في "ثلاجة" التجميد الدبلوماسي (5). لقد اختفت المطالبة السيادية المغربية بهذه الثغور من منابر الأمم المتحدة والاتفاقيات الثنائية، وحلّ مكانها صمت رسمي مريب يُفسَّر على أنه مقايضة ضمنية: "اعتراف إسباني بمغربية الصحراء مقابل سكوت مغربي عن إسبانية سبتة ومليلية" (1).
ملف الصحراء وتأثيره السلبي على المنطقة: شلل مغاربي وسباق تسلح
إن هذا التمسك الحاد والتمحور الكامل للمغرب حول ملف الصحراء الغربية لم يقتصر أثره على تجميد ملف الثغور الشمالية المحتلة فحسب، بل امتد ليعصف بالاستقرار الإقليمي لمنطقة المغرب العربي برمتها. لقد تحولت قضية الصحراء إلى حجر عثرة حقيقي أفسد العلاقات الثنائية بين الرباط والجزائر بشكل غير مسبوق، ووصل بالبلدين الجارين إلى قطيعة دبلوماسية تامة (6).
هذا التوتر المزمن أدى مباشرة إلى عواقب وخيمة على المستويين السياسي والعسكري:
  • توقف عجلة الاتحاد المغاربي: أُصيب مشروع "الاتحاد المغرب العربي" بشلل تام وموت سريري، وضاعت على شعوب المنطقة فرص التكامل الاقتصادي والوحدة بسبب تباين المواقف الحاد حول الصحراء.
  • سباق محموم نحو التسلح: اندفع الجاران الشقيقان نحو استنزاف ثرواتهما في سباق تسلح غير مسبوق؛ حيث تخصص ميزانيات ضخمة لشراء أحدث المنظومات الدفاعية والطائرات والأسلحة الهجومية، وهو ما كان أولى أن يُوجّه نحو التنمية والتعليم والصحة. هذا التسلح حوّل المنطقة إلى برميل بارود يهدد السلم الأهلي الإقليمي بدلاً من توجيه القوة دفاعاً عن قضايا الأمة المشتركة.
تحويل التحرير إلى ملف "تقني" واستخدام الهجرة
في ظل هذا الواقع، تراجعت لغة التحرير والسيادة الوطنية تجاه الاحتلال الإسباني، وتحول الصراع التاريخي إلى مجرد تفاوض حول ملفات "تقنية" وإجراءات حدودية، مثل فتح الجمارك التجارية، ومكافحة الهجرة غير النظامية، والربط البحري (7).
ومع ذلك، يمارس المغرب ضغطاً ناعماً بطرق غير مباشرة؛ فبدلاً من المواجهة الدبلوماسية العلنية، أصبحت "أوراق الضغط" بديلة. نرى ذلك بوضوح في موجات الهجرة غير النظامية المتلاحقة التي تشهدها حدود المدينتين المحتلتين، والتي تُستخدم كرسائل سياسية مبطنة لمدريد لتذكيرها بأن استقرار أمنها الجنوبي مرهون باستمرار موقفها الإيجابي من قضية الصحراء (8). يضاف إلى ذلك سياسة "الخنق الاقتصادي" عبر إنهاء التهريب المعيشي، بهدف تحويل هذه الثغور إلى عبء مالي على الخزينة الإسبانية دون الحاجة لصدام عسكري مباشر.
خاتمة: السيادة كلّ لا يتجزأ
إن رهن السيادة الوطنية في الشمال لانتزاع اعترافات بملف الجنوب هو مناورة سياسية محفوفة بالمخاطر؛ فالأوراق الدولية متقلبة، والحكومات في إسبانيا وأوروبا تتبدل، وما يمنحه اليمين اليوم قد يتراجع عنه اليسار غداً.
إن موقفنا كأصحاب فكر قومي ومبدئي يظل ثابتاً لا يتزحزح: السيادة لا تتجزأ، والاستعمار لا يمكن تصنيفه إلى مقاطعات مقبولة وأخرى مرفوضة. إن التفريط أو السكوت عن احتلال سبتة ومليلية والجزر المغربية هو طعنة في خاصرة التحرر العربي، وإن الاستقرار الحقيقي في حوض المتوسط لن يتحقق عبر سياسات المقايضة وتأجيل الأزمات، بل بالإنهاء الكامل وغير المشروط لآخر المعاقل الاستعمارية الأوروبية في قارتنا الإفريقية.

الهوامش والمراجع:
(1) د. عبد الحكيم أبو اللوز، المقايضات السياسية في العلاقات المغربية الإسبانية، مركز دراسات الوحدة العربية.
(2) الناصر خشيني، الثغور المغربية المحتلة وجذور الاستعمار الحديث، مقالات الفكر القومي العربي.
(3) مقتطف من الخطاب الملكي الرسمي للعاهل المغربي محمد السادس بمناسبة ثورة الملك والشعب.
(4) تقرير السياسة الخارجية الإسبانية، التحول في موقف مدريد من ملف الصحراء وتداعياته الجيوسياسية، معهد إل كانو الملكي.
(5) د. حسن طارق، المغرب وإسبانيا: من صراع السيادة إلى الشراكة الأمنية والتقنية، المجلة العربية للعلوم السياسية.
(6) تقارير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، العلاقات الجزائرية المغربية: أزمة الصحراء والانسداد المغاربي.
(7) يوسف جلال، سباق التسلح في شمال إفريقيا وتأثيره على التنمية المستدامة، مجلة الدفاع الإستراتيجي.
(8) تقرير المنظمة الدولية للهجرة (IOM)، ملف الهجرة غير النظامية عبر ثغور سبتة ومليلية 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...