التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مكة المكرمة.. مهبط الوحي وقدسية الأرض في وجه محن التاريخ بقلم الناصر خشيني

 


مكة المكرمة هي أم القرى وقبلة المسلمين، البقعة الطاهرة التي اصطفاها الله سبحانه وتعالى لتكون منطلقاً للرسالة الخاتمة ومهبطاً للوحي الإلهي على النبي محمد ﷺ. تمتد جذورها التاريخية إلى عهد النبي إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام اللذين رفعا قواعد البيت العتيق. حظيت مكة بمكانة مقدسة مطلقة في قلوب العرب والمسلمين عبر العصور، وتوالت عليها العهود الإسلامية، ورغم مكانتها الروحية العالية، إلا أنها لم تسلم من التجاذبات السياسية والصراعات العسكرية القاسية التي أثرت في تاريخها السياسي.
أهم معالمها
يأتي "المسجد الحرام" و"الكعبة المشرفة" كأعظم بقعة على وجه الأرض، وتحيط بهما المشاعر المقدسة كـ "جبل عرفات"، ومزدلفة، ومنى، التي يقصدها الملايين من كل فج عميق. وتضم مكة "غار حراء" في جبل النور حيث نزلت أولى آيات القرآن الكريم، و"غار ثور" الشاهد على الهجرة النبوية الشريفة، بالإضافة إلى بئر زمزم المبارك والمعالم التاريخية التراثية المحيطة بالبلد الحرام والتي تروي قصة التوحيد.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
عاشت مكة المكرمة محطات تاريخية بالغة القسوة والألم إبان العهد الأموي، حيث واجهت المدينة حصارات عسكرية انتهكت حرمتها المقدسة نتيجة الصراع على الخلافة؛ وتجلى ذلك في حصار جيوش يزيد بن معاوية للمدينة عام 64 هـ بقيادة الحصين بن نمير، وحصار الحجاج بن يوسف الثقفي الشهير عام 73 هـ في عهد عبد الملك بن مروان. صمدت مكة وأهلها بزعامة عبد الله بن الزبير في وجه تلك الآلات العسكرية التي لم تتورع عن ضرب الكعبة المشرفة بالمنجنيق وإحراق أجزاء منها، لتبقى هذه الأحداث شاهداً تاريخياً على المعاناة المريرة التي تحملتها العاصمة الروحية للأمة دفاعاً عن شرعيتها وحرمتها.
خاتمة
إن قدسية مكة المكرمة استمدت ثباتها من أمر إلهي لا تزعزعه محن التاريخ ولا غطرسة الحكام؛ فرغم الدماء والحروب التي حاصرت أسوارها في بعض العهود، ظلت مكة مهوى الأفئدة وحصن الإسلام الحصين الذي يغسل أوجاع التاريخ ويبقى شامخاً بروحانيته إلى قيام الساعة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...