التخطي إلى المحتوى الرئيسي

القيروان: حاضرة المغرب العربي ومشكاة الحضارة الإسلامية بقلم الناصر خشيني



تحتل مدينة القيروان التونسية مكانة استثنائية في الوجدان العربي والإسلامي؛ فهي لم تكن مجرد مدينة عابرة في جغرافيا المغرب العربي، بل كانت منطلقاً لقرون من الإشعاع الفكري، والديني، والعسكري الذي غير وجه المنطقة. تأسست القيروان لتكون "معسكر الأمة" الحصين، وتحولت سريعاً إلى عاصمة علمية وحضارية نافست بغداد وقرطبة. 
 التأسيس والنشأة: درع العروبة والإسلام
أُسست القيروان عام 50 للهجرة (670 ميلادي) على يد القائد الأموي عقبة بن نافع. واختار لها موقعاً استراتيجياً في قلب السهول التونسية بعيداً عن السواحل لحمايتها من غارات البيزنطيين البحرية. [1, 2, 3]
  • الاسم والدلالة: اشتق اسم المدينة من المعنى الفارسي "كاروان" (المعسكر أو محط الرحال)، لتكون قاعدة انطلاق للفتوحات الإسلامية في شمال إفريقيا والأندلس. 
  • عاصمة الأغالبة: بلغت المدينة أوج ازدهارها السياسي والمعماري في عهد الدولة الأغلبية (القرن الثالث الهجري)، حيث أصبحت العاصمة السياسية للمغرب الإسلامي بأكمله. 
 شواهد الحضارة: أبرز المعالم التاريخية في القيروان
تزخر المدينة العتيقة، المصنفة كإرث عالمي من طرف اليونسكو، بمعالم هندسية استثنائية تحكي قصة تفوق المسلمين في شتى العلوم: 
  • جامع عقبة بن نافع (الجامع الكبير): أيقونة العمارة الإسلامية في المغرب العربي. يتميز بمئذنته المربعة الشامخة التي تعد الأقدم من نوعها، وبمنبره المصنوع من خشب الساج الذي يُعد أقدم منبر إسلامي محفوظ في العالم. كما يضم بيت الصلاة فيه مئات الأعمدة الرخامية البديعة. 
  • فسقيات الأغالبة: أعظم منشأة مائية في العالم الإسلامي خلال العصور الوسطى. هي عبارة عن أحواض مائية دائرية ضخمة صُممت بعبقرية هندسية فائقة لتجميع مياه الأمطار وتزويد المدينة بالمياه، مما جعلها تتغلب على شح الموارد المائية في المنطقة. 
  • مقام الصحابي أبي زمعة البلوي (سيدي الصحبي): معلم روحي ومعماري فائق الجمال. يضم ضريح الصحابي الذي كان يحمل معه خصلات من شعر الرسول ﷺ، ويتميز المقام بزخارف الخزف (الزليج) والنقوش الجصية الأندلسية والمغربية. 
  • جامع الأبواب الثلاثة: أحد أقدم المساجد التي تمتاز بواجهتها المنقوشة بالخط الكوفي البديع والزخارف النباتية والهندسية، مما يجعله وثيقة تاريخية معمارية فريدة. [1]
  • بئر بروطة وسوق الربع: قلب المدينة العتيقة النابض. حيث ترتبط الذاكرة الشعبية ببئر بروطة التاريخي، وتحيط به أسواق الحرف التقليدية لاسيما صناعة "الزربية القيروانية" (السجاد المنسوج يدوياً) الشهيرة عالمياً. [1, 2]
 القيمة الثقافية والفكرية
لم تكن القيروان مجرد عمارة، بل كانت مدرسة فكرية رائدة. فمن خلال "بيت الحكمة" القيرواني وجامع عقبة، تخرج أبرز علماء الفقه، والطب، والأدب مثل الإمام سحنون وابن الجزار القيرواني، لتكون القيروان الممهد الحقيقي لنشر اللغة العربية والثقافة الإسلامية في كامل ربوع المغرب الكبير. 
 خاتمة المقال
تظل القيروان بوابتنا المشرقة نحو فهم عمق الهوية العربية والإسلامية في شمال إفريقيا، وشاهداً حياً على عظمة الأجداد الذين طوعوا الحجر والماء لبناء حضارة إنسانية خالدة. إن قلم ابن القيروان البار، ومعه كل غيور على تاريخ هذه الأمة، ينظر اليوم إلى ربوعها بكثير من الفخر والإجلال، متطلعاً إلى أن تستعيد حواضرنا التاريخية دورها القيادي كمنارات للعلم والكرامة والسيادة، وأن تظل القيروان دائماً كما أرادها مؤسسوها: حصناً منيعاً لروح الأمة وعروبتها

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...