التخطي إلى المحتوى الرئيسي

دمشق: قلب التاريخ النابض وبوابة الحضارة العربية بقلم الناصر خشيني



تعد مدينة دمشق واحدة من أبرز الحواضر العالمية التي صاغت وجه التاريخ الإنساني. فكل زاوية من أزقتها العتيقة تروي فصلاً من فصول الحضارة والتطور البشري، مما يجعلها نقطة انطلاق مثالية للتعريف بالمدن العربية ذات القيمة التاريخية الاستثنائية.
 النشأة والتاريخ: أقدم عاصمة في العالم
تُجمع المصادر التاريخية والأثرية على أن دمشق هي أقدم عاصمة مأهولة في التاريخ البشري. على مر العصور، تعاقبت عليها أمم وحضارات تركت كل منها بصمة لا تُمحى في هويتها المعمارية والثقافية:
  • الآراميون: جعلوا منها عاصمة لمملكتهم في الألف الأول قبل الميلاد، وأسسوا لنظام ري متطور ومتفرع من نهر بردى أحيا غوطتها الشهيرة.
  • الرومان والبيزنطيون: أعادوا تخطيط شوارعها على النسق الشطرنجي، وبنوا أسوارها الحصينة وأبوابها التي لا تزال قائمة.
  • العصر الأموي: وصلت المدينة إلى ذروة مجدها السياسي والحضاري عندما اختارها الأمويون عاصمة لخلافتهم، لتتحول إلى مركز لإدارة دولة ترامت أطرافها من حدود الصين شرقاً إلى الأندلس غرباً.
 أعمدة الحضارة: أبرز المعالم والمواقع الأثرية
تضم دمشق داخل أسوارها القديمة وخارجها منظومة أثرية فريدة تعكس هذا التنوع الثقافي الهائل:
  • الجامع الأموي الكبير: درة العمارة الإسلامية وجوهرة المدينة. يتميز بمآذنه الثلاث الشاهقة، وفصائصه الزجاجية والذهبية ذات الطراز البيزنطي، ويضم في جوفه ضريح النبي يحيى (عليه السلام).
  • أبواب دمشق السبعة: المعالم الشاهدة على السور الروماني القديم الذي كان يحمي المدينة، ومن أبرزها باب توما، وباب شرقي، وباب الجابية، وباب كيسان.
  • قصر العظم: نموذج حي للبيت الدمشقي التقليدي، يمثل عبقرية العمارة في العهد العثماني بفسحاته السماوية الواسعة، بحيراته المائية، وزخارفه الخشبية الملونة (العجمي).
  • سوق الحميدية والتكية السليمانية: مراكز حيوية تجمع بين النشاط التجاري التقليدي والجمال المعماري المسقوف الذي يعود لمئات السنين، حيث تلتقي الحرف اليدوية بالهندسة العثمانية والمملوكية.
 الحاضر والحياة الاجتماعية
رغم عوادي الزمن وتبدل الأحوال، تظل دمشق تنبض بالحياة في حاراتها الضيقة المرصوفة بالجرانيت. هنا، يمتزج أريج الياسمين الدمشقي برائحة القهوة والتبغ في المقاهي التاريخية كمقهى النوفرة، حيث لا يزال "الحكواتي" يروي سيرة أبطال العرب. وتستمر الأسواق الشعبية والمطابخ التراثية في تقديم نكهاتها الأصيلة التي تعكس كرم الضيافة الشامية المعهودة.
 خاتمة المقال
تبقى لدمشق مكانة لا تتزعزع في وجدان الأمة العربية كرمز للعراقة، والأصالة، والعمق الثقافي. ومع ذلك، لا يمكن للقارئ والمتأمل في واقعها اليوم إلا أن يشعر بالأسف الشديد والأسى لما آلت إليه أحوال هذه الحاضرة العظيمة؛ إذ باتت محكومة بقوى وتوازنات تعمل وفق أجندات ومصالح أجنبية معادية لتطلعات الأمة العربية ومستقبلها، وسط مشهد سياسي يرتضي التبعية ويتقبل الإملاءات والاعتداءات الصهيونية المتكررة على أراضيها دون رد حقيقي أو سيادي، مما يتناقض تماماً مع تاريخ دمشق المشرّف كقاعدة للمقاومة ومركز للسيادة والكرامة العربية عبر العصور

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...