التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشروع العروبي في تونس: مسار من الثعالبي إلى اليوم بقلم الناصر خشيني



مدخل
منذ تأسيس الدولة التونسية الحديثة، لم يكن الصراع السياسي فيها ثنائيًا بسيطًا بين "حداثة" و"تقليد"، بل كان صراعًا ثلاثي الأطراف: تيار حداثوي فرنكفوني تبنّى الدولة الوطنية القُطرية كإطار نهائي، وتيار إسلاموي رفع راية "الأصالة" كرد فعل هوياتي، وتيار عروبي-قومي رأى في تونس جزءًا من مشروع أوسع للأمة العربية، ودفع ثمن هذا الخيار دمًا وسجنًا وتغييبًا عبر عقود.
من الثعالبي إلى قصر هلال: التأسيس والانقسام الأول
أسّس عبد العزيز الثعالبي الحركة الوطنية التونسية على مرجعية عربية-إسلامية واضحة. لكن مؤتمر قصر هلال في مارس 1934 مثّل نقطة تحوّل حاسمة، حين شكّل الحبيب بورقيبة "الدستور الجديد" منفصلًا عن خط الثعالبي، ليؤسس تدريجيًا لمشروع أكثر ميلًا إلى النموذج الفرنسي في الإدارة واللغة والتعليم، مع احتفاظه بخطاب وطني في الشكل.
الصراع اليوسفي-البورقيبي: حين انقسمت الحركة الوطنية على نفسها
بعد اتفاقيات "الحكم الذاتي الداخلي" في يونيو 1955، رفض صالح بن يوسف، الأمين العام للحزب، ما اعتبره استقلالًا منقوصًا، ودعا إلى مواصلة المقاومة والالتحام بالثورة الجزائرية، مستندًا إلى خطاب عروبي ناصري صريح. تحوّل الخلاف إلى ما يشبه حربًا أهلية مصغّرة بين 1955 و1956، انتهت بطرد ابن يوسف من الحزب في مؤتمر صفاقس، ثم اغتياله في فرانكفورت عام 1961 وسط اتهامات وُجّهت لأجهزة الدولة التونسية بالتدبير.
المفارقة أن بعض من قمعوا اليوسفيين في البداية، كالمقاوم الأزهر الشرايطي الذي كُلّف بمواجهة أنصار ابن يوسف، انقلبوا لاحقًا على النظام نفسه بعد خيبة أمل من التهميش، فانضم الشرايطي إلى محاولة الانقلاب المكتشفة في ديسمبر 1962، وأُعدم رميًا بالرصاص في 24 جانفي 1963 مع اثني عشر آخرين. هذا يكشف أن دائرة القمع لم تكن محصورة في معسكر واحد، بل امتدت لتشمل حتى من ساندوا بورقيبة أولًا.
الجامعة التونسية: ساحة المواجهة الفكرية في السبعينات
مع بداية السبعينات، شكّل تيار الطلبة العرب التقدميين الوحدويين، المتبنّي لأدبيات "فلسفة الثورة والميثاق" الناصرية و"نظرية الثورة العربية" لعصمت سيف الدولة، القوة الفكرية والتنظيمية الأبرز في الجامعة التونسية. أمام هذا الحضور المسلّح بمنظومة نظرية متكاملة، وجدت الحركة الإسلامية الناشئة (حركة الاتجاه الإسلامي، ثم النهضة لاحقًا) نفسها في موقع الرد الهوياتي المضاد، لتبدأ مواجهة فكرية وتنظيمية طويلة داخل أسوار الجامعة انعكست لاحقًا على المشهد السياسي العام.حيث فشلت النهضة. في مواجهة هذا التيار فكريا فاتجهت للعنف 
قفصة 1980: حين انفجر الهامش
مثّل الهجوم المسلح على مدينة قفصة في جانفي 1980 لحظة كاشفة عن عمق التهميش الذي عاشته الجهات الداخلية منذ الاستقلال، رغم دورها التاريخي في المقاومة المسلحة، انتهت بإعدام عدد من المشاركين، وبقيت تعبيرًا عن غضب داخلي حقيقي وجد في الشعارات القومية والوحدوية إطارًا للتعبير عنه وقد وصف القوميون نظام بورقيبة وابن علي في ادبياتهم بكونه نظاما اقليميا رجعيا عميلا والثورة عليهما مشروعة 
من الاغتيالات إلى اليوم: استمرار الاستهداف
لم يتوقف استهداف الرموز القومية عند ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. اغتيال محمد البراهمي، القيادي في حركة الشعب والمؤسس للتيار الشعبي ذات المرجعية الناصرية، في 25 يوليو 2013 على يد تنظيم متشدد، جاء في سياق موجة عنف سياسي طالت أيضًا الشخصيات اليسارية، وأعاد إلى الواجهة  موقع التيار القومي بين مطرقة الدولة العميقة وسندان التشدد الديني بحيث كان الحل الامثل لمشاكل تونس باعتبارها قطرا عربيا لا يمكن حل مشاكلها بمعزل عن امتها العربية الواحدة فمن الطبيعي ان يتم التركيز على القضية الفلسطينية فكانت مركزيتها وحضورها لدى العرب التونسيين من تاثير ذلك التيار القومي التقدمي العريق
بعد 2011: بين خيبة الثورة وتجربة قيس سعيّد
أفضت الفوضى التي اجتاحت المنطقة بعد 2011 (العراق، سوريا، ليبيا، اليمن، السودان) إلى مراجعة داخل التيار القومي نفسه لمسلّمات قديمة كانت تنظر بريبة إلى "الدولة القُطرية" كعائق أمام الوحدة. الخلاصة التي بلورتها هذه التجربة المريرة: الحفاظ على حدٍّ أدنى من تماسك الدولة الوطنية أفضل من مغامرة تفكك شامل لا يقود بالضرورة إلى مشروع وحدوي بديل، بل إلى فراغ يُستغل خارجيًا وداخليًا.
من هذا المنطلق، نظر جزء من التيار القومي التونسي إلى إجراءات 25 جويلية 2021 بعين إيجابية نسبيًا، باعتبارها كسرت هيمنة حركة النهضة دون الانزلاق إلى حرب أهلية. لكن التجربة تركت أيضًا علامات استفهام: غياب سند تنظيمي وشعبي منظّم لمسار الإصلاح، واستمرار قوة لوبيات المال والتهريب والاحتكار التي يوصف نفوذها بأنه أعمق وأكثر تجذرًا من أي حكومة أو رئيس عابر.
خاتمة: قراءة بين قراءات أخرى
هذا السرد يعكس بالأساس القراءة التي يتبناها التيار القومي العروبي لتاريخه الخاص، وهي قراءة لها سياقها ومنطقها الداخلي المتماسك. لكنها ليست القراءة الوحيدة الممكنة: فالتيار الفرنكفوني الحداثوي يرى في تجربة بورقيبة تحديثًا ضروريًا حمى تونس من مصير أنظمة عسكرية عربية أخرى، بينما يرى التيار الإسلاموي في نفسه ضحية قمع مزدوج من دولة "علمانية" ومن خصومه القوميين، لا شريكًا في مشروع واحد معهما. كما أن ربط التيارين الفرنكفوني والإسلاموي بمشروع يميني واضح المعالم بحيث ظهر ان هذين التيارين بعد الصدام مع الرئيس قيس سعيد لم يحاولا الالتحام بالجماهير العريضة للتغيير والعودة لاسطوانة العشرية السوداء والديمقراطية العرجاء التي راينا فصولا منها في تزوير الانتخابات بالمال والاعلام والاغتيالات للامنيين والعسكريين والسياسيين والمهزلة الكبرى التي كانت قائمة في مجلس النواب والتي راينا مخرجاتها المقززة بالصوت والصورة والنقل الحي المباشر  وانما اتجها للغرب قصد المساعدة على التخلص من اجراءات 25 جويلية وعودتهم للحكم وهذا ما لا يقبله القوميون في تونس ولا الجماهير الشعبية المتطلعة للتحرر من الهيمنة الاجنبية بكل اشكالها.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...