التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجزائر العاصمة.. المحروسة وقلعة الثورة ومقبرة الغزاة بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
تربض الجزائر العاصمة، أو "المحروسة" كما سماها الأجداد، على ضفاف البحر الأبيض المتوسط كإحدى أهم الحواضر العربية والإفريقية عبر العصور. أسسها بولوغين بن زيري على أنقاض مدينة فينيقية ورومانية قديمة، لتتحول في العهد العثماني إلى إحدى أقوى القواعد البحرية في العالم، وحصناً إسلامياً هابته أساطيل الغرب لقرون. ورغم تعرضها للاستعمار الاستيطاني الفرنسي الشرس عام 1830، إلا أن المدينة حافظت على هويتها العربية والإسلامية، وتحولت بجبالها وأحيائها إلى قلب نابض لثورة أول نوفمبر التحريرية، التي تُوجت بطرد المحتل بعد تقديم تضحيات جسام جعلت بلدها يحمل لقب بلد "المليون ونصف المليون شهيد".
أهم معالمها
تتصدر "حي القصبة العتيق" قائمة المعالم التاريخية والحضارية للمدينة، وهو تحفة معمارية إسلامية فريدة بأزقته الضيقة وبيوته المتلاصقة ومساجده القديمة مثل "جامع كتشاوة" الشاهد على الهوية الإسلامية للمدينة. كما يبرز "مقام الشهيد" (رياض الفتح) شامخاً في سماء العاصمة كرمز يخلد تضحيات الثوار، بالإضافة إلى "جامع الجزائر الأعظم" بمئذنته الأعلى في العالم، والذي يمثل منارة دينية وحضارية حديثة تمزج الأصالة بالمعاصرة، إلى جانب القلاع والشواطئ التي تحكي قصة المجد والجمال.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
شكلت الجزائر العاصمة ساحة لأعنف المعارك السياسية والعسكرية ضد الاستعمار الفرنسي، وبرز دورها النضالي الأسطوري في "معركة الجزائر" الشهيرة بقلب القصبة خلال الخمسينيات، حيث واجه الفدائيون ببطولة أعتى أجهزة المخابرات والجيوش. ولم يتوقف صمود العاصمة عند العمل المسلح، بل كانت مظاهرات 11 ديسمبر 1960 التاريخية التي انطلقت من أحيائها بمثابة الاستفتاء الشعبي الحاسم الذي أسقط أوهام "الجزائر الفرنسية" وأجبر العالم على الاعتراف بحق الشعب الجزائري في تقرير مصيره ونيل حريته كاملة.
خاتمة
تبقى الجزائر العاصمة نموذجاً حياً للمدينة التي رفضت الذوبان والانكسار؛ فجدرانها البيضاء تحمل ندوب الرصاص وقصص التحرر، لتبث في روع الأجيال أن الكرامة تُنتزع بالدم، وأن المحروسة ستظل دائماً عاصمة الثوار ومنارة للأحرار في كل مكان

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...