التخطي إلى المحتوى الرئيسي

فاس.. الحاضنة الإدريسية والمنارة العلمية الخالدة للأمة بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
تأسست مدينة فاس عام 182 هـ (789 م) على يد المولى إدريس الأول، لتكون عاصمة للدولة الإدريسية وأول عاصمة إسلامية في بلاد المغرب الأقصى. نمت المدينة وتطورت سريعاً لاسيما بعد وفود العائلات العربية من القيروان والأندلس (عدوة القرويين وعدوة الأندلس)، مما منحها طابعاً حضارياً وثقافياً فريداً. تعاقبت على حكمها الدول الإسلامية الكبرى كالمرابطين، والموحدين، والمرينيين، وظلت فاس لقرون طويلة المركز السياسي، والروحي، والعلمي للمغرب، وقلب العروبة النابض في شمال غرب إفريقيا.
أهم معالمها
يتربع "جامع وجامعة القرويين" كأعظم معلم حضاري وعلمي في فاس، وهي الجامعة الأقدم في العالم التي ما زالت تعمل حتى اليوم، وأسستها السيدة الفاضلة فاطمة الفهرية عام 254 هـ. وتضم المدينة "فاس البالي" (المدينة القديمة) المصنفة كأكبر منطقة مشاة في العالم بدون سيارات، بأزقتها الضيقة الملتوية ومدارسها التاريخية البديعة مثل المدرسة البوعنانية ومدرسة العطارين، فضلاً عن "باب بوجلود" الشهير والمصانع التقليدية لدباغة الجلود التي تعود لقرون مضت.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
لعبت فاس دوراً نضالياً وتاريخياً محورياً في قيادة المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي والبلد يعيش تحت وطأة الحماية عام 1912؛ فحين انتفضت ساكنة المدينة في "أيام فاس الدامية" تنديداً بالاحتلال، تحولت شوارعها إلى ساحات مواجهة ورفض للاستعمار. وغدت جامعة القرويين معقلاً للحركة الوطنية وفكراً تنويرياً قاد معركة الدفاع عن الهوية العربية والإسلامية للمغرب، ومن أسوار فاس ورجالاتها صيغت "وثيقة المطالبة بالاستقلال" عام 1944، لتؤكد المدينة دورها التاريخي كقاطرة للحرية والسيادة الوطنية ورفض التبعية.
خاتمة
تبقى فاس رمزاً حياً لأصالة الأمة وعمقها المعرفي والديني؛ فمآذنها التي نشرت نور العلم في إفريقيا وأوروبا، هي ذاتها الحصون التي حمت الهوية العربية من الذوبان والفرنسة، لتظل فاس دائماً عاصمة الروح والعلم التي تثبت أن قوة الفكر والعقيدة أقوى من كل قوى الاستعمار.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...