التخطي إلى المحتوى الرئيسي

صنعاء: حاضرة المجد والتاريخ وعنوان الفزعة والشهامة العروبية بقلم الناصر خشيني


لا يمكن للباحث في تاريخ الأمة العربية أن يمر بـ "اليمن السعيد" دون أن ينحني إجلالاً لـ صنعاء؛ فهي ليست مجرد 

 عاصمة تاريخية، بل هي مهد الوجود العربي الأول، ومستودع أنساب العرب وأصالتهم. عُرفت صنعاء عبر العصور بعمارتها الفريدة التي تشبه قصائد الشعر، وبأهلها أهل النجدة والنخوة والمدد، الذين طالما جسدوا مفهوم "الفزعة العروبية" في المحطات الفاصلة من تاريخ أمتنا، باذلين الغالي والنفيس دفاعاً عن قضايا العرب والمسلمين.
التأسيس والعراقة: مدينة سام بن نوح
تعتبر صنعاء واحدة من أقدم المدن المأهولة في العالم، ويضرب تاريخها في أعماق السيرة الإنسانية:
  • النسب والتسمية: تنص الروايات التاريخية على أن من أسسها هو سام بن نوح (عليه السلام) بعد الطوفان، ولذلك عُرفت بـ "مدينة سام". أما اسمها الحالي "صنعاء" فيعني في اللغات اليمنية القديمة "المدينة الحصينة" أو "المصنوعة بإتقان".
  • مهد الممالك القديمة: عاصرت صنعاء الحضارات اليمنية السبئية، والحميرية، والقتبانية العظيمة، وكانت مركزاً رئيسياً لـ "طريق البخور" التجاري الدولي الذي ربط الشرق بالغرب.
 شواهد الحضارة: العمارة الأسطورية والبيوت الناطحة للسحاب
تتميز "صنعاء القديمة"، المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، بطراز معماري فريد لا مثيل له في العالم أجمع، حيث تبدو المدينة وكأنها لوحة فنية نُحتت من الطين والخرسانة التقليدية:
  • ناطحات السحاب الطينية: تتألف بيوت صنعاء القديمة من عدة طوابق (تصل لـ 8 طوابق)، مبنية من الآجر والطين، وتتزين واجهاتها بنقوش جصية بيضاء بديعة تُسمى "التخاريم"، وتعلو نوافذها "القمريات" المصنوعة من الرخام الشفاف أو الزجاج الملون الذي يعكس أشعة الشمس بألوان ساحرة.
  • الجامع الكبير بصنعاء: أحد أقدم المساجد في الإسلام، بُني في عهد الرسول محمد ﷺ (في السنة السادسة للهجرة) بأمر منه، ويعد صرحاً علمياً ودينياً هائلاً يحتوي على مكتبة تضم أقدم المخطوطات القرآنية في العالم.
  • باب اليمن: البوابة التاريخية المهيبة التي تقف شامخة كشاهد على أسوار المدينة الحصينة، ومنها تلج إلى عالم من الأسواق التقليدية النابضة بالحياة كـ "سوق الملح" و"سوق الجنابي" (الخناجر اليمنية التراثية).
  • قصر غمدان: وإن اندثرت معالمه اليوم، إلا أن المؤرخين يصنفونه كأول ناطحة سحاب في التاريخ البشري، وكان يرتفع لعشرين طابقاً بسقف من الرخام الشفاف.
روح الفزعة والنجدة العروبية
لم تكن صنعاء واليمن يوماً بمنأى عن قضايا أمتها؛ فالذاكرة القومية تحفظ لليمنيين أنهم كانوا "أهل المدد" في الفتوحات الإسلامية الأولى، وبسواعدهم فُتحت الأمصار. وفي العصر الحديث، تجسد صنعاء أسمى معاني الفزعة العروبية برغم الجراح العميقة والحصار والعدوان والمآسي التي يعيشها اليمن، إذ لم يتخلَّ أهلها يوماً عن نصرة فلسطين والقدس، مقدمين مواقف بطولية حازمة وشجاعة تؤكد أن الشريان اليمني يتدفق بحب العروبة والدفاع عن شرف الأمة وكرامتها دون خوف أو تردد.
 خاتمة المقال: الشموخ العصي على الانكسار
تبقى صنعاء رمزاً للمجد التليد، وحصناً منيعاً للهوية العربية الأصيلة. إن التأمل في واقع هذه المدينة اليوم، برغم المعاناة الإنسانية الكبيرة الناتجة عن الصراعات والتدخلات الخارجية، يملأ النفس يقيناً بأن هذه الحاضرة العظيمة لا تنكسر ولا تموت. إن قلم ابن الأمة العربي الغيور ينظر لـ "مدينة سام" بتقدير واعتزاز كبيرين، واثقاً بأن اليمن، الذي كان دائماً مهد العرب الأول ومخزن رجالهم، سينفض عنه غبار الحروب والآلام، لتعود صنعاء منارة للنخوة، وحامية للعروبة، وركيزة أساسية في صياغة مستقبل قومي مشرق يقوم على السيادة والكرامة 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...