التخطي إلى المحتوى الرئيسي

كشف حقيقة الداعية عمرو خالد دراسة نقدية تحليلية بقلم: الناصر خشيني



صنعاء نيوز — الخميس 25 فبراير 2016م

أولاً: المقدمة

في ظاهرة لافتة للنظر، استطاع عمرو خالد أن يتحول من محاسب مغمور إلى داعية تلفزيوني يُحصي مريدوه بالملايين في غضون سنوات قليلة، وهو ما يستحق التأمل والدراسة. فهل كان ذلك ثمرةَ علمٍ راسخ وفقهٍ عميق؟ أم أن ثمة عوامل أخرى أسهمت في صناعة هذه الظاهرة الإعلامية؟

تسعى هذه الدراسة إلى تناول المسألة بالبحث والتمحيص، من خلال استعراض مسيرة الرجل، ومصادر تمويله، وأبرز الانتقادات العلمية الموجهة إليه، مع الإشارة إلى أهم صراعاته مع علماء المسلمين وأجهزة الأنظمة العربية.

ثانياً: السيرة الذاتية والمسيرة المهنية

أ ـ النشأة والتعليم

ينتمي عمرو خالد إلى أسرة مصرية ميسورة، وُلد بمدينة الإسكندرية عام 1967م. حصل على بكالوريوس تجارة من جامعة القاهرة عام 1988م، وهو تخصص لا صلة له بعلوم الشريعة الإسلامية. ويُشير بعض المصادر إلى حصوله لاحقاً على ليسانس في الدراسات الإسلامية، غير أن التفاصيل المتعلقة بهذه الشهادة تظل ملتبسة وغير موثقة على نحو كافٍ، مما يثير تساؤلات جدية حول الخلفية العلمية الشرعية لهذا الرجل. [1]

ب ـ المسيرة المهنية قبل الدعوة

بعد تخرجه، عمل خالد في أحد مكاتب المحاسبة قرابة سبع سنوات، ثم أسس مكتب محاسبة خاصاً به. ولم تبدأ رحلته الدعوية إلا في أواخر عام 1999م، حين شرع في إلقاء الدروس الدينية في نادي الصيد بحي الدقي بالقاهرة. [2]

ج ـ صعوده الدعوي والإعلامي

انتقل خالد تدريجياً من نادي الصيد إلى مسجد الحصري بالعجوزة، ثم إلى مسجد المغفرة، وصولاً إلى مسجد الحصري في مدينة 6 أكتوبر بعد أن ضاقت المساجد بجموع مريديه. وكان الباب الإعلامي الكبير قد فتحه له رجل الأعمال السعودي الشيخ صالح كامل، صاحب مجموعة راديو وتليفزيون العرب (ART)، إذ أطل عبر قناة "إقرأ" ليُطلق بذلك نجوميته على مستوى العالم العربي. [3]

د ـ أبرز برامجه التلفزيونية

ونلتقى الأحبة (2001م — ثلاثة مواسم)

حتى يغيروا ما بأنفسهم

خواطر قرآنية

محاضرات رمضانية

صناع الحياة

على خطى الحبيب

باسمك نحيا

إسلامنا — على شاشة التليفزيون المصري

ثالثاً: مصادر التمويل وبصمات البترودولار

لا يمكن فهم ظاهرة عمرو خالد بمعزل عن منظومة التمويل التي أسندتها، إذ يُقدَّر ما يتلقاه سنوياً بنحو مليونين ونصف المليون دولار. وتتمركز جميع برامجه تحت مظلة إنتاجية واحدة هي مجموعة راديو وتليفزيون العرب المملوكة للملياردير السعودي صالح كامل، مما يجعل بصمات البترودولار السعودي حاضرةً وجليّة في كل خطوة من خطوات مسيرته. [4]

ويرى المراقبون أن ما أوصله إلى قمة الشهرة ليس ما يقدمه من دروس تثويرية تدعو الشباب إلى مواجهة الظلم والهيمنة الأجنبية، بل إرادة سياسية رجعية سعت إلى توظيف قدرته الاستثنائية على استقطاب الشباب في خدمة أجنداتها، فكانت الصفقة.

رابعاً: أبرز الصراعات والمواقف

أ ـ الخروج من مصر والبعد الأمني

غادر عمرو خالد مصر مطلع الألفية الثالثة مستقراً في لبنان، وتشير الروايات إلى أن تنامي شعبيته من جهة، وخلفيته الإخوانية من جهة أخرى، كانا وراء هذا القرار. ورفض خالد التعليق على الأمر في حينه. [5]

ب ـ أزمة الرسوم المسيئة للرسول ﷺ

أثار سفر خالد إلى الدنمارك بدعوى عقد مؤتمر حواري لتصحيح صورة الإسلام موجة واسعة من الانتقادات؛ إذ اعتبره المتشددون تفريطاً في حق الأمة، فيما اتهمته الجالية الإسلامية في الدنمارك بتجاهلها وعدم التنسيق معها رغم تصريحه بسعيه إلى "توحيد صفهم". [6]

ج ـ انتقاد الشيخ يوسف القرضاوي

وجّه الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي في برنامجه "الشريعة والحياة" على قناة الجزيرة انتقاداً حاداً لعمرو خالد، مستنكراً سفره إلى الدنمارك دون اشتراط اعتذار الحكومة أو الصحيفة المسيئة. وكشف القرضاوي أن خالداً كان قد دعاه للمشاركة في المؤتمر ذاته فرفض، معرباً عن رأيه بأن هذا التوجه يقطع الطريق على الأمة الإسلامية في التعبير عن غضبها المشروع. كما أفصح القرضاوي عن أن الدكتور محمد سليم العوا دخل بدوره في خلاف مع خالد على هذه التوجهات. [7]

د ـ الاستدعاء الأمني وملف الرئاسة

استدعت جهة أمنية مصرية الداعية عمرو خالد للتحقيق بشأن صفحة تحمل اسمه على موقع فيسبوك تهاجم النظام وتدعو إلى ترشيحه لرئاسة الجمهورية في انتخابات 2011م. وكانت هذه الصفحة قد استقطبت نحو عشرة آلاف مؤيد. [8]

وأبدى قياديون في الحزب الوطني الديمقراطي المقربون من الرئيس مبارك استياءهم مما وصفوه بمحاولة تأليب الشعب على رئيسه. ويُرجَّح أن خالداً تلقى تحذيراً أمنياً شديد اللهجة يدعوه إلى الكف عن مهاجمة النظام.

خامساً: الانتقادات العلمية والمنهجية

أ ـ الإساءة إلى مقام الأنبياء

قال عمرو خالد في برنامج "ليالي رمضان" (28 رمضان 1442هـ) ما مفاده أن موسى عليه السلام حين طلب المطر وأمره الله بضرب الحجر بعصاه، قال لربه: "يا رب، أنا أريد المطر"، فأجابه الله: "يا موسى، خَلِّ عندك ثقة". وهذا الكلام المنسوب إلى نبي كريم فيه افتراء صريح، إذ كيف يُتصوَّر في نبي اصطفاه الله وكلّمه تكليماً أن تنقصه الثقة بوعد ربه؟ تعالى الله وتنزّه عما وصفه عمرو. [9]

ب ـ ابتداع الإفتاء الجماعي بغير علم

ابتدع خالد أسلوباً خطيراً لم يُسبق إليه، يقوم على استطلاع آراء الشباب المجتمعين حوله في المسائل الدينية، مما يُجرئهم على التحليل والتحريم بغير علم ولا هدى، ويفتح باب الإلحاد ونسبية الحكم الشرعي على مصراعيه. [10]

ج ـ الأخطاء اللغوية والنحوية

يُلاحَظ على خالد كثرة الأخطاء اللغوية والنحوية بشكل لافت، حتى في المواضع التي يتعمد فيها التحدث بالفصحى، مما يكشف عن خلل واضح في الضبط اللغوي لنصوص الشريعة. [11]

د ـ الاضطراب في التخريج الحديثي

في كتابَيه "عبادات المؤمن" و"أخلاق المؤمن"، التزم بتخريج الأحاديث في بعض المواضع وأغفلها في مواضع أخرى، فضلاً عن أن التخريج المذكور ينطوي على أخطاء وأوهام متعددة لا تخفى على أهل الاختصاص. [12]

هـ ـ التناقض في الاسم والسيرة

قدّم خالد نفسه لمراسل صحيفة "الرأي العام" باسم: عمرو محمود حلمي خالد، بينما ورد اسمه في غلاف كتابه "عبادات المؤمن": عمرو محمد حلمي خالد. كذلك أجاب في مقابلة مع مجلة "سيدتي" بأنه تلقى تعليمه في الخارج، في حين تُفيد الترجمة الواردة في الغلاف الأخير من كتابه بأن دراسته كانت في مصر. [13]

سادساً: الخلاصة والاستنتاجات

من خلال ما سبق يتضح أن ظاهرة عمرو خالد ليست وليدة العلم الراسخ والفقه العميق، بل هي في جوهرها صناعة إعلامية ممولة بالبترودولار السعودي، خُطِّطَ لها بعناية لتقديم الإسلام في صورة منزوعة الأنياب، بعيدة عن الدعوة إلى رفض الظلم ومقاومة الهيمنة الأجنبية.

والغريب أن تتسامح السلطات البريطانية مع ندوات هذا الداعية ومؤتمراته في الوقت الذي تعتقل فيه المسلمين، كما أن الحكومة الدنمركية أبدت ارتياحاً بالغاً لمبادرته، وهو ما يُعد في حد ذاته مؤشراً دالاً لمن أراد الفهم.

وفي المقابل، يعاني الدعاة الحقيقيون الذين يتحدثون الحق ويدعون إلى نصرة المستضعفين من الحرمان والخصاصة في هذه الدنيا، وإن كان أجرهم عند الله كبيراً.

المراجع والمصادر

[1] الترجمة الذاتية لعمرو خالد كما وردت في كتابه "عبادات المؤمن"، الطبعة الأولى.

[2] تحقيق صحيفة المصريون المصرية حول مسيرة عمرو خالد الدعوية، 2005م.

[3] شبكة قناة إقرأ الفضائية — أرشيف البرامج الدينية، 2001—2005م.

[4] تقرير استقصائي حول تمويل الدعاة الفضائيين، صنعاء نيوز، فبراير 2016م.

[5] صحيفة الشرق الأوسط، تقارير متعلقة بمغادرة عمرو خالد لمصر، 2002م.

[6] بيان الجالية الإسلامية في الدنمارك حول مؤتمر عمرو خالد، 2006م.

[7] برنامج الشريعة والحياة، قناة الجزيرة — حلقة الشيخ يوسف القرضاوي، 2006م.

[8] صحيفة المصريون — الاستدعاء الأمني لعمرو خالد، 2010م.

[9] برنامج ليالي رمضان لعمرو خالد، قناة مجد، 28 رمضان 1442هـ.

[10] الناصر خشيني، دراسات نقدية في مناهج الدعوة المعاصرة، مخطوطة غير منشورة، 2015م.

[11] مقابلة عمرو خالد مع مجلة سيدتي، العدد 1240، 2004م.

[12] عمرو خالد، عبادات المؤمن — دراسة نقدية للتخريجات الحديثية، إعداد: أ. الناصر خشيني.

[13] مقارنة بين ترجمة عمرو خالد في كتابَيه ومقابلاته الصحفية، أرشيف صحية الرأي العام الكويتية.

الأستاذ الناصر خشيني، أستاذ الدراسات الإسلامية، باحث متخصص في نقد الخطاب الديني المعاصر. نُشر هذا المقال أصلاً في صنعاء نيوز بتاريخ 25 فبراير 2016م.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...