التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدينة الخليل.. تراتيل الرباط وكرم الأنبياء في وجه الطغيان بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
تُعد مدينة الخليل واحدة من أقدم المدن المأهولة بالسكان في العالم، حيث يعود تاريخ تأسيسها إلى العهد الكنعاني قبل أكثر من خمسة آلاف عام. ارتبطت المدينة تاريخياً بروح الأنبياء، واكتسبت قدسيتها ومكانتها العظيمة بعد أن أقام فيها النبي إبراهيم عليه السلام "خليل الله"، ل تُعرف منذ ذلك الحين باسم "خليل الرحمن". تعاقبت عليها العصور الإسلامية من الأمويين حتى العباسيين، وشهدت نهضة عمرانية وحضارية فريدة في العهدين المملوكي والعثماني، لتظل حجر زاوية في جغرافية الوجدان العربي والإسلامي، ومركزاً تجارياً وثقافياً نابضاً بروح الأصالة العريقة.
أهم معالمها
يتربع "الحرم الإبراهيمي الشريف" كقلب نابض للمدينة وأعظم معالمها الدينية والتاريخية، وهو البناء المهيب الذي يضم مقامات الأنبياء إبراهيم وإسحق ويعقوب وزوجاتهم عليهم السلام. وينبثق من طهر هذا المكان "التكية الإبراهيمية"، ذلك المعلم الإنساني الشاهد على قيم التكافل منذ العهد الفاطمي وصلاح الدين الأيوبي، حيث لا يبيت في المدينة جائع. وتكتمل لوحة الخليل الحضارية بـ "البلدة القديمة" بأزقتها المسقوفة وحاراتها العتيقة مثل حارة السكافية، ومصانع الزجاج والخزف التقليدية، إلى جانب "بركة السلطان" المملوكية التي تروي حكاية المجد الخالد.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
سطرت الخليل في التاريخ الحديث والقديم ملاحم بطولية في مواجهة الغزاة والمستعمرين؛ فمن ثوراتها العارمة ضد الانتداب البريطاني كـ "ثورة البراق" عام 1929، إلى دورها المحوري في الانتفاضات الفلسطينية المتعاقبة، بقيت المدينة قلعة عصية على الكسر. ويتجلى دورها النضالي اليوم في الصمود الأسطوري لأهلها المرابطين داخل البلدة القديمة وفي باحات الحرم الإبراهيمي، حيث يواجه السكان بصدورهم العارية وجهاً لوجه سياسات التهويد، والاستيطان، والتقسيم القسري، متمسكين بهوية مدينتهم العربية والإسلامية ومدافعين عن إرث الأمة.
خاتمة
إن الخليل ليست مجرد مدينة من حجر وتاريخ، بل هي مدرسة في الثبات والرباط؛ يمتزج فيها كرم الأنبياء بإرادة المقاومين، لتبقى دليلاً حياً على أن الهوية العربية الفلسطينية عصية على المحو، وأن قلاع الكرامة لا تسقط طالما أن هناك شعباً يتنفس الإباء ويرفض الانحناء.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...