التخطي إلى المحتوى الرئيسي

قسنطينة.. عاصمة الجسور المعلقة وعنفوان الصمود الأسطوري بقلم الناصر خشيني


تاريخ المدينة

تُعد مدينة قسنطينة، أو "سيرتا" القديمة، واحدة من أعرق الحواضر التاريخية في المغرب العربي، حيث تمتد جذورها إلى العهد الفينيقي والنوميدي لتكون عاصمة للملك ماسينيسا. بنيت المدينة فوق صخرة عاتية يشقها وادي الرمال، مما منحها حصانة طبيعية فريدة جعلتها عصية على الغزاة عبر العصور. ومع دخول الإسلام، تحولت إلى منارة علمية وثقافية رائدة. ورغم سقوطها في يد الاستعمار الفرنسي عام 1837 بعد مقاومة شرسة قادها الحاج أحمد باي، إلا أن قسنطينة ظلت قلعة للهوية العربية والإسلامية وعاصمة للعلم والعلماء بقيادة الإمام عبد الحميد بن باديس.
أهم معالمها
تتميز قسنطينة بـ "الجسور المعلقة" الشاهقة التي تربط ضفتي صخرتها العتيقة في مشهد هندسي وطبيعي ساحر، ومن أشهرها جسر سيدي مسيد وجسر ملاح سليمان. كما تضم المدينة "مسجد الأمير عبد القادر" الذي يعد تحفة معمارية إسلامية فريدة ومنارة علمية كبرى، إلى جانب "قصر الحاج أحمد باي" الذي يعكس أوج العمارة الإسلامية في العهد العثماني، فضلاً عن أحيائها العتيقة وحاراتها الضاربة في عمق التاريخ التي تفوح بعبق الأصالة.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
سطرت قسنطينة صفحات مجيدة من الصمود الأسطوري في وجه محاولات الطمس والفرنسة؛ وتجلى دورها النضالي بأبهى وأقسى صوره في "مجازر 8 ماي 1945" النكراء. فحين خرج أبناء المدينة بصدور عارية يطالبون بالحرية، واجههم الاستعمار الفرنسي بوحشية مفرطة وحملات إبادة جماعية لم تزد المدينة إلا إصراراً على الثورة. وشكلت قسنطينة الحاضنة الفكرية لـ "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين"، التي قادت معركة الدفاع عن لغة الضاد والدين الإسلامي، وكانت ركيزة أساسية انطلقت منها قوافل الثوار في ثورة التحرير المظفرة.
خاتمة
تبقى قسنطينة مدينة لا تنحني للعواصف؛ فجسورها الشامخة ليست مجرد ممرات بين الصخور، بل هي صلة وصل بين ماضٍ مجيد وحاضر حر، لتظل دائماً عاصمة الفكر والصمود التي تثبت أن إرادة الشعوب الحرة أقوى من جدران السجون والآلات العسكرية

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...