التخطي إلى المحتوى الرئيسي

بغداد: منارة المجد التليد والجرح العربي الذي لم يندمل بقلم الناصر خشيني



إذا كانت دمشق أقدم عواصم التاريخ، والقيروان درع المغرب العربي، فإن بغداد هي قلب الخلافة العباسية النابض ودار السلام التي ألهمت العالم لقرون بعلومها وفنونها. لكن الحديث عن بغداد اليوم يمزج بين الفخر بالماضي العظيم، والأسى العميق على حاضرها الذي يمثّل جرحاً نازفاً في الوجدان العربي منذ الغزو والاحتلال الأمريكي الغاشم عام 2003.
 التأسيس والنشأة: عاصمة الدنيا ودار السلام
أُسست بغداد عام 145 للهجرة (762 ميلادي) على يد الخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصور، الذي اختار لها موقعاً عبقرياً على ضفاف نهر دجلة.
  • المدينة المدورة: بُنيت بغداد في البداية على شكل دائري هندسي فريد يرمز للكمال، وأُحيطت بأسوار منيعة ولها أربعة أبواب لضمان حمايتها.
  • عصرها الذهبي: بلغت المدينة ذروة مجدها الإنساني والحضاري في عهد الخليفة هارون الرشيد وابنه المأمون، حيث تحولت إلى عاصمة العالم الثقافية والسياسية، ومقصداً لطلبة العلم من الشرق والغرب.
شواهد الحضارة: أبرز معالم بغداد التاريخية والأثرية
رغم تعرضها لعدة نكبات عبر التاريخ (أبرزها الغزو المغولي بقيادة هولاكو عام 1258)، حافظت بغداد على شواهد حضارية تؤكد أصالتها:
  • المدرسة المستنصرية: أقدم جامعة إسلامية متكاملة في العالم، أسسها الخليفة المستنصر بالله عام 1233 للميلاد، وكانت تُدرس فيها علوم الطب، الفلك، الفقه، واللغة العربية، وتمتاز بهندستها المعمارية البديعة على ضفاف دجلة.
  • جامع الإمام الأعظم (أبو حنيفة النعمان): يقع في منطقة الأعظمية، وهو صرح إسلامي وعلمي كبير يضم مرقد الإمام أبي حنيفة، ويُعد مركزاً روحياً وثقافياً بارزاً في تاريخ المدينة.
  • شارع المتنبي وسوق السراي: الشريان الثقافي والفكري لبغداد، حيث يلتقي الأدباء والشعراء والمفكرون بين مئات المكتبات والمقاهي التراثية الشهيرة مثل مقهى الشابندر.
  • قصر العباسي ونصب الحرية: معالم تجمع بين عبقرية العمارة العباسية القديمة، والتعبير عن روح التحرر والنهضة في العصر الحديث من خلال نصب الفنان جواد سليم في ساحة التحرير.
 مأساة بيت الحكمة وبناء الحضارة
كانت بغداد حاضنة "بيت الحكمة"، أعظم خزانة كتب ومؤسسة علمية وترجمية في العصور الوسطى، والتي بفضلها أُنقذت العلوم اليونانية والفارسية وصُهرت في قالب اللغة العربية، لتقدم للعالم علماء غيروا مجرى التاريخ كـ "الخوارزمي" في الرياضيات، و"الكندي" في الفلسفة.
 خاتمة المقال: الجرح المستمر منذ 2003
يبقى اسم بغداد مرادفاً للشموخ، غير أن التأمل في واقعها الحالي يثير غصة وألماً لا يزولان. فمنذ احتلالها المشؤوم في عام 2003 على يد قوى الاستعمار الغربي، فُتح في جسد هذه الحاضرة العريقة جرحٌ عميق لم يندمل بعد. لقد تعرضت بغداد لعملية ممنهجة لتدمير دولتها، وتخريب هويتها العربية، ونهب متاحفها وآثارها التي توثق فجر الحضارة البشرية.
إن بغداد اليوم، وهي تعاني من تبعات المحاصصة والتدخلات الإقليمية والدولية التي مزقت نسيجها، تقف شاهدة على حجم المؤامرة التي تستهدف مراكز الثقل القومي العربي. ومع ذلك، فإن قلم الكاتب العربي المؤمن بأمته يثق تماماً بأن دجلة والفرات سيبقيان يغذيان روح المقاومة والعروبة في هذه المدينة العظيمة، لتنفض عنها يوماً غبار التبعية والاحتلال، وتستعيد مكانتها كتاج على رأس الأمة العربية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...