التخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت والضاحية الجنوبية.. منارة الفكر وعاصمة المقاومة والإباء بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
تتربع بيروت "ست الدنيا" على شاطئ البحر الأبيض المتوسط كواحدة من أعرق الحواضر الثقافية والسياسية في العالم، حيث عاصرت الحضارات الفينيقية، والرومانية، والبيزنطية، والعثمانية. عُرفت بيروت تاريخياً بأنها عاصمة النور، والفكر، والصحافة الحرة، ومطبعة الشرق التي احتضنت التنوع والنقاش الفكري العربي. شهدت المدينة محطات تاريخية قاسية من حروب واجتياحات، لكنها كانت دائماً تمتلك سر "القيامة" والنهوض من تحت الرماد، لتؤكد دورها التاريخي كمركز ريادي في صياغة الوعي العربي والسيادة الوطنية.
أهم معالمها
تتعدد المعالم الحضارية في بيروت لتجمع بين الطبيعة والتاريخ؛ فـ "صخرة الروشة" تقف شامخة في عرض البحر كرمز لشموخ العاصمة، ويبرز "وسط بيروت التراثي" (الداون تاون) بمعالمه المتنوعة كالمسجد العمري الكبير والحمامات الرومانية الأثرية. وفي امتدادها الحيوي، تبرز "الضاحية الجنوبية" بأحيائها النابضة مثل حارة حريك، وبرج البراجنة، والشياح، والتي تضم مجمعات ثقافية، وإعلامية، ودينية كبرى تحولت إلى معالم حضارية شاهدة على صناعة التاريخ الحديث ومسيرة الوعي والمقاومة.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
تحمل بيروت فخر كونها أول عاصمة عربية تنجح المقاومة الشعبية الباسلة في طرد الاحتلال الصهيوني من شوارعها بعد حصار عام 1982 التاريخي. وفي العصر الحديث، شكلت "الضاحية الجنوبية" لبيروت القلعة الحصينة والحاضنة الشعبية والسياسية للمقاومة؛ حيث نجحت في صياغة معادلات الردع والكرامة ضد الاعتداءات الإسرائيلية. وتجلى دورها البطولي في ملحمة صمود حرب تموز عام 2006، حين واجهت أعتى حملات التدمير والدمار الشامل، وأثبتت للعالم أن إرادة المقاومة والإباء الشعبي قادرة على إسقاط أهداف العدوان وتحقيق النصر.
خاتمة
إن بيروت وضاحيتها الجنوبية تمثلان التلاحم الأبدي بين الفكر والبندقية، وبين منارة الثقافة وساحة المواجهة؛ لتظل هذه المدينة بقعة جغرافية يتردد فيها صدى الكرامة العربية، وتثبت للعالم أجمع أن الحرية تؤخذ عنوة وصموداً بوعي الشعوب وإصرارها على الحياة العزيزة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...