التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنبار.. عرين الأسود وموطن العراقة والجهاد على ضفاف الفرات بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
تُعد محافظة الأنبار وعاصمتها التاريخية أكبر أقاليم العراق مساحة، وهي بقعة ضاربة في عمق الحضارات الإنسانية من العهد البابلي والآشوري، وتسميتها مشتقة من "الأنبار" باللغة العربية والتي تعني مخازن الحبوب والعتاد في العهد الساساني والعباسي. اتخذها الخليفة العباسي الأول أبو العباس السفاح عاصمة للخلافة الإسلامية قبل بناء بغداد. والأنبار هي موطن القبائل والعشائر العربية الأصيلة التي حفظت شيم النخوة والكرم وحمت البوابة الغربية للعراق وبلاد الرافدين عبر التاريخ.
أهم معالمها
تتميز الأنبار بمعالمها الحضارية والطبيعية الساحرة، وفي مقدمتها "نهر الفرات" الذي يشق أرضها ويروي بساتينها، و"نواعير حديثة" الأثرية الشامخة التي تمثل تحفة هندسية فريدة اخترعها الأجداد منذ آلاف السنين لرفع المياه. كما تضم المنطقة "قلعة هيت" التاريخية المبنية فوق تلة مرتفعة لحماية المدينة، بالإضافة إلى المساجد العتيقة والقصور الأثرية كقصر شمعون التي تروي تجذر الإنسان الأنباري في أرض الرافدين.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
سجلت الأنبار بمدنها وعشائرها صفحات من الفخر والبطولة في مواجهة الاحتلال الأمريكي منذ عام 2003؛ فكانت المحافظة بأكملها منبعاً شرساً للمقاومة الشعبية والمسلحة. من الفلوجة إلى الرمادي والقائم وهيت، انتفض أبناء الأنبار بأسلحتهم البسيطة وإيمانهم العقائدي ليزلزلوا الأرض تحت أقدام القوات الغازية في معارك طاحنة تفتتت فيها هيبة الجيش الأمريكي وتكبد فيها الخسائر الأكبر. هذا الدور النضالي التاريخي يثبت أن التركيبة العشائرية والوطنية لأهل الأنبار تمثل صمام أمان للأمة ورفضاً مطلقاً لسياسات الهيمنة والتركيع.
خاتمة
تظل الأنبار نموذجاً للشموخ العربي والأصالة القبلية التي لا تقبل المهانة؛ فصحراؤها الواسعة وبساتينها الخضراء تخفي خلف سكونها بأسا شديداً على الأعداء، لتبقى الأنبار دائماً سياج العراق المنيع وحصن العروبة والإباء

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...