التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المدينة المنورة.. دار الهجرة النبوية وثبات الحُرمة أمام عواصف السياسة بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
المدينة المنورة، أو "يثرب" القديمة، هي دار الهجرة النبوية المباركة وعاصمة الإسلام الأولى التي احتضنت النبي محمد ﷺ والمهاجرين، وآواهم أهلها الأنصار بنخوة وإيمان صاغ نواة الدولة الإسلامية ومنطلق فتوحاتها. شهدت أرضها كتابة "وثيقة المدينة" التي أسست لأول مفهوم للمواطنة والعدالة في التاريخ. حظيت المدينة بمكانة دينية فريدة ولقبت بـ "طابة" و"طيبة"، وظلت طوال تاريخها واحة للأمن والعلم والسكينة، ومحط أنظار الخلفاء والحكام لعظم مكانتها في قلوب الأمة.
أهم معالمها
يعد "المسجد النبوي الشريف" المعلم الأبرز والأعظم في المدينة، ويضم الحجرة النبوية الشريفة والروضة المشرفة. كما تضم المدينة "مسجد قباء" وهو أول مسجد أُسس على التقوى، و"مسجد القبلتين"، بالإضافة إلى المعالم الطبيعية والتاريخية المرتبطة بالسيرة النبوية مثل "جبل أحد" الشاهد على الملحمة الإسلامية الكبرى، وبقيع الغرقد الذي يضم رفات الآلاف من الصحابة الأجلاء وآل البيت الأطهار.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
واجهت المدينة المنورة واحدة من أقسى الفجائع التاريخية في صدر الإسلام إبان العهد الأموي، وتحديداً في عام 63 هـ خلال "واقعة الحرة" الشهيرة. فحين انتفض أهل المدينة والصحابة ضد حكم يزيد بن معاوية دفاعاً عن كرامة المدينة وحرمتها، أرسل الأمويون جيشاً جراراً بقيادة مسلم بن عقبة، الذي استباح المدينة المنورة لثلاثة أيام قتلاً ونهباً وتنكيلاً بأهلها من المهاجرين والأنصار. صمدت المدينة أمام هذه الهجمة الشرسة التي نالت من دماء خيرة رجالاتها، ورغم مرارة المعاناة، بقيت دار الهجرة ثابتة على مبادئها، رافضة لسياسات القمع الأموية ومحافظة على هويتها الروحية كمعقل للحق والعدل.
خاتمة
تظل المدينة المنورة واحة السكينة التي لا تدنسها المظالم وإن جارت عليها الأيام؛ فعبر التاريخ أثبتت طيبة الطيبة أن جسدها يلفظ الخبث، وأن دماء شهدائها في واقعة الحرة وأحد صاغت سياجاً من النور يحمي عاصمة المصطفى، لتبقى منارة للثبات والوفاء والكرامة الإسلامية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...