مدخل
لم تعد قناة الجزيرة، منذ سنوات طويلة، مجرد محطة تلفزيونية تنقل الخبر وتحلله، بل تحوّلت إلى أداة نافذة في صياغة المزاج السياسي الإقليمي، توظف لخدمة أجندة تتجاوز حدود المهنية الصحفية إلى فضاء التوظيف الجيوسياسي المباشر. هذا المقال يفكك هذا الدور عبر محورين: البنية المالية والتحريرية للقناة وعلاقتها بالدولة الراعية، ثم الأثر الذي تركته تغطيتها في ساحات الاضطراب العربي منذ 2011.
أولًا: امبراطورية إعلامية بأجندة سياسية
توظف شبكة الجزيرة أكثر من ستة آلاف موظف وتقني، وترصد لها ميزانيات تفوق المليار دولار سنويًا[1][2][6]، رقم تضاعف عشرات المرات منذ انطلاقتها عام 1996 حين كانت ميزانيتها لا تتجاوز 25 مليون دولار وعدد موظفيها 500 فقط[3]. هذا الثقل المالي والبشري لم يوظف لخدمة الحقيقة، بل لخدمة سياسة تحرير تُضخّم أحداثًا وتُهمّش أخرى وفق حسابات الدولة الراعية.
القناة التي ترفع شعار "الرأي والرأي الآخر" تحتفظ بمراسلين ثابتين في عمق الأراضي الفلسطينية المحتلة يعملون في ظل تنسيق أمني وإداري لا يمكن إغفاله، بينما تتجنب سؤالًا أكثر إلحاحًا: كيف تتصالح مع قربها الجغرافي والسياسي من قاعدة العديد الأمريكية التي تمولها قطر بسخاء وتُعد من أكبر الحاضنات العسكرية الأمريكية في المنطقة؟ والمفارقة الأعمق أن هذه الآلة الإعلامية الضخمة، التي لم تتوانَ عن تسليط الضوء على كل صغيرة وكبيرة في الأنظمة العربية الأخرى، تلتزم صمتًا مطبقًا حيال غياب الحياة الديمقراطية في قطر ذاتها، حيث لا انتخابات تشريعية حقيقية ولا تداول سلمي على السلطة.
وقد وثّقت مصادر عدة كيف أن أمير قطر آنذاك أصدر توجيهًا مباشرًا لتركيز تغطية القناة على الصراع الليبي عام 2011، وهو ما ساهم في حشد الرأي العام العربي خلف الثورة المسلحة هناك[5]. هذا النمط من التوجيه الفوقي المباشر يفضح زعم "الاستقلالية التحريرية" الذي تسوّق له القناة، ويؤكد أن ما سُمّي "الربيع العربي" وُظّف في محطات عدة لخدمة أجندة الدولة الراعية، حتى وصفه بعضهم ساخرًا بـ"الربيع العبري".
ثانيًا: منابر لا ترصد الحدث بل تصنعه
لم يتوقف دور الجزيرة عند التحريض الإعلامي، بل امتد إلى توفير منصة دعائية لجماعات مسلحة وتنظيمات متشددة في أكثر من ساحة عربية.
في سوريا، وثّقت تقارير متعددة استضافة القناة لعناصر وقيادات من تنظيمات مصنّفة إرهابيًا، والحصول على تصريحات منها دون تفكيك نقدي لخطابها[9][10]. القضية الأشهر تبقى قضية مراسلها طه علوني، الذي حكمت عليه محكمة إسبانية بالسجن سبع سنوات لتعاونه مع تنظيم القاعدة ونقل أموال لها، بينما واصلت القناة الدفاع عنه وتأكيد براءته[12].
في العراق، وثّق مراقبون ونشطاء كيف تجنبت القناة وصف تنظيم داعش بـ"الإرهابي" مفضّلة مصطلح "تنظيم الدولة"، ونشرت فيديوهات تحريضية للتنظيم، وصولًا إلى ما وثقه ناشطون من ظهور إحدى مذيعاتها بالزي الأسود أثناء تغطية مقتل زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي[9][10].
في ليبيا، تتكرر اتهامات رسمية وشعبية بدعم القناة للكتائب المسلحة المحسوبة على تيار الإسلام السياسي عبر تغطية أحادية الجانب، فيما توثق مصادر أن دعم قطر المالي والعسكري المباشر للثوار عام 2011 ترافق مع توجيه تحريري صريح للقناة[5][14].
في تونس والجزائر، مُنحت منابر واسعة لرموز حركات إسلامية مثيرة للجدل ساهمت خطاباتها في تأجيج الاستقطاب المجتمعي وتقويض هيبة الدولة الوطنية في مرحلة انتقالية بالغة الحساسية[14].
وفي اليمن، انحازت تغطية القناة بوضوح لأطراف بعينها في الصراع، على حساب الرؤية الوطنية الجامعة التي كانت البلاد بأمس الحاجة إليها.
هذه المحطات مجتمعة تكشف أن "الجزيرة" لم تكن يومًا مجرد ناقل للحدث، بل كانت في كثير من الأحيان صانعة له، توظف الإعلام كسلاح ناعم في خدمة أجندة إقليمية تتجاوز حدود المهنية الصحفية.
خاتمة
مساءلة دور الجزيرة ليست دعوة لتكميم الإعلام أو محاصرة حرية الرأي، بل مطالبة مشروعة بمحاسبة منبر إعلامي ضخم يتذرع بالحياد بينما ميزانيته وسياسته التحريرية مرتبطتان عضويًا بأجندة دولة بعينها. فالمهنية الحقة تبدأ من توجيه المرآة إلى الداخل قبل توجيهها إلى الجوار.
المراجع:
[1] اليوم السابع، "كم ينفق تميم بن حمد على الجزيرة وإخوتها؟"، 2020.
[2] اليوم السابع، "تميم بن حمد يخصص ميزانية مالية ضخمة لقناة الجزيرة"، 2021.
[3] شبكة الجزيرة الإعلامية، ويكيبيديا، بيانات النشأة والتطور المالي.
[5] "انتقادات موجهة لقناة الجزيرة"، ويكيبيديا.
[6] الوفد، تصريحات طارق نور حول ميزانية القناة، 2015.
[9] اليوم السابع، "كيف دعمت الجزيرة إرهابيي داعش؟"، 2019.
[10] اليوم السابع، "الجزيرة منصة الدفاع عن الإرهاب"، 2020.
[12] "انتقادات موجهة لقناة الجزيرة" (قضية طه علوني)، ويكيبيديا.
[14] South24، "انفضاح قناة الجزيرة: الإسلام السياسي كذراع إعلامي للدولة القطرية"، 2020.
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى

تعليقات
إرسال تعليق