التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أزمة المياه في الوطن العربي حين يصبح الماء سلاحاً وسياسةً ومصيراً بقلم الناصر خشيني


 

مقدمة: «مثلث العطش»
لا يُعرف الوطن العربي في الأدبيات الجيوسياسية المائية بوصفه منطقةً غنيةً بمواردها الطبيعية فحسب، بل يُعرف أيضاً بلقب مُثير للقلق: «مثلث العطش». فهذه المنطقة التي تمتد على مساحات شاسعة من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي لا تحتوي إلا على أقل من 7% من مخزون المياه العذبة العالمي، وعلى أقل من 1% من نسبة المياه الجارية [1]، في حين تضمّ ما يزيد على 450 مليون نسمة. هذه المعادلة لا تنبئ بأزمة عابرة، بل بأزمة بنيوية متجذّرة تتشابك فيها عوامل الجغرافيا والتاريخ والسياسة والمناخ.
ما يقرب من 50 مليون شخص في المنطقة العربية يفتقرون إلى مياه الشرب الأساسية، ويعيش 390 مليون شخص — أي ما يقرب من 90% من إجمالي السكان — في بلدان تعاني من ندرة المياه [2]. وتُضاف إلى هذا الواقع المُقلق حقيقة أن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا باتا أكثر مناطق العالم تعرضاً لنقص المياه، وأن هذه النسبة مرشّحة للارتفاع إلى نحو 80% للشخص الواحد بحلول منتصف هذا القرن [3].
أولاً: الندرة الطبيعية والندرة المُصطنعة
قبل الخوض في تشعبات الأزمة، لا بد من تمييز جوهري كثيراً ما يغيب عن الخطاب الرسمي: الفرق بين الندرة الطبيعية والندرة المُصطنعة.
الندرة الطبيعية — الأمطار التي تتساقط في المنطقة لا تتجاوز 2% من المجموع العالمي [1]، ومعدل موارد المياه المتجددة سنوياً في المنطقة العربية يبلغ حوالي 350 مليار متر مكعب، تُغطّى نسبة 35% منها عن طريق تدفقات الأنهار القادمة من خارج المنطقة: 56 مليار متر مكعب عبر نهر النيل، و25 مليار عبر الفرات، و38 مليار عبر دجلة وفروعه [1]. والأخطر أن نصيب الفرد من المياه تآكل بشكل دراماتيكي: من 2000 متر مكعب سنة 1960 إلى 500 متر مكعب سنة 2011، ومن المتوقع أن يتراجع إلى 250 متر مكعب سنوياً بحلول 2050 [1].
الندرة المُصطنعة — وهي الجانب الأشد مرارةً، لأنها نتاج قرارات سياسية وأولويات حوكمية منحرفة. إذ يصل هدر المياه في شبكات الري إلى ما بين 40 و60% في أغلب الدول العربية، فيما يُوجَّه جزء كبير من المياه الجوفية النادرة نحو محاصيل تصديرية كثيفة الاستهلاك، تُصدَّر معها ما يُسمّى «المياه الافتراضية». ويُضاف إلى ذلك الضخ الجائر للمياه الجوفية والاعتماد المفرط على الآبار، مما خلق عجزاً مزدوجاً: سطحياً وجوفياً في آنٍ واحد [4].
ثانياً: المياه العابرة للحدود — من مصدر رزق إلى ورقة ضغط
ثلثا الموارد المائية في المنطقة العربية تعبر حدوداً سياسية، وهو ما يُحوّل المياه من مسألة بيئية واجتماعية إلى قضية أمن قومي وأداة جيوسياسية.
نهر النيل وسد النهضة: تحدي الوجود المصري — مياه النيل تمثّل حوالي 72.62% من إجمالي الموارد المائية المتاحة في مصر [5]. ومنذ أن شرعت إثيوبيا في بناء سد النهضة، تحوّل هذا الرقم إلى مصدر توتر وجودي. فمصر تعاني من الفقر المائي حتى بدون الأخذ في الاعتبار تأثير السد، الذي تحوّل إلى واحدة من أبرز الأزمات حول تقاسم الموارد في العالم [6]. وتشير دراسات علمية إلى أن ملء الخزان على مدار ثلاث سنوات قد يُفقد مصر ما يصل إلى 88% من أراضيها الزراعية وفق السيناريو الأشد وطأةً [5].
الفرات ودجلة: تحت رحمة السدود التركية — تعود تركيا دورياً إلى سياسة خنق الجريان المائي، لتصل مستويات المياه إلى أقل من نصف الكمية المخصصة لسوريا، مما ينعكس كارثياً على مياه الشرب والزراعة وتوليد الطاقة [7]. وقد وصل الأمر إلى حدّ أن الوارد المائي لسد تشرين انخفض إلى ربع الكمية المتفق عليها، مهدداً حياة أربعة ملايين نسمة [4]. وتزايدت الاتهامات لتركيا باستخدام السدود والمياه سلاحاً في صراعات المنطقة [8]. والمثير للسخرية المُرّة أن العراق اضطُرَّ عام 2025 إلى صيغة «النفط مقابل المياه» مع تركيا، مُقايِضاً ثروته النفطية بما كان يجب أن يكون حقاً طبيعياً مكفولاً بالقانون الدولي.
ثالثاً: المياه الجوفية — الكنز الآيل للنضوب
يعتمد أكثر من نصف الدول العربية على المياه الجوفية مورداً أساسياً للمياه العذبة، وهو رهان محفوف بمخاطر جسيمة. فغالبية هذه المياه هي ما يُعرف بـ«المياه الأحفورية» (Fossil Water)، تراكمت على مدى آلاف السنين في عصور مطيرة سابقة، ولا تتجدد بأي معدل يُعتدّ به. فالضخ الجائر ونقص مياه الأنهار بالاعتماد المفرط على الآبار خلق عجزاً مزدوجاً [4]. ولا يوجد حتى الآن إطار قانوني عربي مشترك لحوكمة المياه الجوفية العابرة للحدود، وهو فراغ تشريعي يُفاقم الاستنزاف غير المنظّم.
رابعاً: التغيّر المناخي — مضاعف الأزمة
يضرب تغيّر المناخ بكل قوته في المنطقة العربية، مهدداً أهم مواردها الطبيعية، وسط تحذيرات أممية من زيادة الصراعات وعدم الاستقرار نتيجة ندرة المياه [9]. ورصد تقرير اليونسكو للمياه 2025 أن الدول الأكثر تعرضاً للإجهاد المائي في المنطقة حالياً هي: البحرين والكويت ولبنان وعُمان وقطر، فضلاً عن تونس والإمارات واليمن والعراق ومصر وليبيا والأردن والسعودية وسوريا، مُتوقِّعاً أن يعيش جميع سكان المنطقة في ظل إجهاد مائي مرتفع جداً بحلول 2050 [10]. وارتفاع منسوب البحار يهدد بتملّح المياه الجوفية الساحلية، أي أن المخزون الجوفي الساحلي — ذلك البديل الأخير — هو نفسه مُهدَّد.
خامساً: الاحتلال والصراع — سلب الماء كسلب الوجود
لا يمكن تناول أزمة المياه العربية بمعزل عن السياق السياسي والعسكري. في فلسطين المحتلة، تُمثّل المياه أداةً من أدوات الهيمنة الاستعمارية، إذ تُحكم إسرائيل قبضتها على المياه الجوفية في الضفة الغربية، وتمنح المستوطنين حصصاً تفوق بأضعاف ما يحصل عليه المواطن الفلسطيني. وفي غزة، استُهدفت محطات تحلية المياه وشبكات الصرف الصحي في العدوان المتواصل، لتتحوّل المياه من حق إنساني إلى أداة حصار.
وفي اليمن والعراق وليبيا وسوريا، أفضت الصراعات المسلحة إلى تدمير البنية التحتية المائية بشكل منهجي. والمفارقة المُؤلمة أن الدول الأكثر تضرراً من ندرة المياه هي في الوقت ذاته الأكثر غرقاً في الصراعات والأضعف في قدرتها على الاستثمار في بدائل التحلية والمعالجة [2].
سادساً: ما لا يُقال في الخطاب الرسمي
يدور الخطاب الرسمي العربي عادةً حول ثلاثة محاور: تحلية المياه، والري بالتنقيط، ومعالجة مياه الصرف الصحي. وهي حلول تقنية مشروعة، لكنها تتجاهل ملفات أعمق:
أولاً: الإصلاح الهيكلي لمنظومة الزراعة المستنزِفة للمياه، وإعادة النظر في سياسات الدعم التي تُحفّز على زراعة محاصيل شرهة للمياه في بيئات جافة.
ثانياً: محاسبة شركات التعدين والصناعة الملوِّثة للمصادر المائية — وهو ملف يكاد يكون غائباً تماماً، بما فيها تونس حيث يُلوِّث الفوسفات الموارد المائية دون حساب حقيقي.
ثالثاً: إعادة ترتيب الأولويات بوضع الأمن المائي فوق الأمن العسكري تمويلاً وقراراً. فالماء أولاً وقبل كل شيء منفعة اجتماعية، وهو هبة طبيعية وعنصر ضروري لاستمرار الحياة، والمياه ملك للمجتمع بأسره [3].
سابعاً: الوحدة العربية — الحل الوجودي الذي تتهرّب منه الأنظمة
في خضمّ هذا الواقع المأزوم، يبرز سؤال لا مفرّ منه: هل يمكن لدولة عربية منفردة أن تواجه أزمة مائية بهذا الحجم والتعقيد؟ الجواب الصريح: لا. فالمياه في الوطن العربي لا تعرف الحدود، وأزمتها لا تُحلّ بقرارات وطنية مجزّأة بينما تنتهج دول المنبع — من إثيوبيا إلى تركيا — سياسات تحقق فيها مكاسب انفرادية على حساب حقوق الشعوب العربية المائية.
التجزئة العربية ليست مجرد عائق سياسي، بل هي في حقل المياه عامل تهديد وجودي. فغياب الموقف العربي الموحّد في مفاوضات سد النهضة أفضى إلى أن تواجه مصر والسودان ضغوطاً هائلة وحيدتَين دون ظهير عربي جماعي فاعل. وغياب التنسيق العربي التركي أعطى أنقرة هامشاً واسعاً للمناورة في ملف دجلة والفرات، بينما تتعطّش العراق وسوريا. وانعدام المنظومة القانونية العربية المشتركة لحوكمة المياه الجوفية العابرة للحدود يفتح الباب لاستنزاف غير مراقَب.
ما الذي تعنيه الوحدة في الملف المائي تحديداً؟
الوحدة العربية في مواجهة أزمة المياه لا تعني شعارات رومانسية، بل تعني منظومة عمل مشترك متكاملة:
— إنشاء هيئة عربية عليا للأمن المائي بصلاحيات قانونية ملزِمة في إدارة المياه المشتركة والتفاوض الجماعي مع دول المنبع غير العربية.
— تأسيس بنك عربي لبيانات المياه الجوفية، إذ لا تزال خرائط المياه الجوفية العابرة للحدود ناقصة أو محتجزة لدواعي السيادة الوطنية الضيّقة، في حين أن مشاركتها هي التي تصون السيادة الجماعية الحقيقية.
— إطار تمويل عربي مشترك لمشاريع التحلية ومعالجة المياه في الدول الأكثر فقراً مائياً كاليمن والأردن وفلسطين، بدلاً من إيكال هذه المهمة لصناديق دولية مشروطة.
— تنسيق دبلوماسي عربي موحّد في المحافل الدولية لرفع اتفاقيات المياه العابرة للحدود إلى مستوى الحق المُقنَّن في القانون الدولي، وإلزام دول المنبع بمبدأ «عدم الإضرار».
— شبكة عربية لنقل التقنيات المائية، إذ تمتلك دول الخليج تجارب متقدمة في التحلية يمكن توطينها في الدول العربية الأفقر بتكاليف أقل بكثير مما تفرضه شركات التقنية الغربية.
تقول الإسكوا إن الإدارة الفعالة المشتركة للموارد المائية هي المخرج الحقيقي من الأزمة [2]، ولكن «الإدارة المشتركة» تستلزم بالضرورة وجود «شريك مشترك»، وهو ما لا تُوفِّره التجزئة العربية الراهنة. فكيف تُدار مياه مشتركة في ظل حدود مرسومة بالمصالح الاستعمارية وتحرسها نظم ترى في الانقسام ضماناً لبقائها؟
التجزئة: العدو الأول للماء
لا يجب أن يغيب عن الأذهان أن اتفاقية سايكس-بيكو ووعد بلفور لم يُقسّما الأرض فحسب، بل قسّما أيضاً الأنهار والأحواض المائية وحوّلا الحقوق المائية الطبيعية إلى موضوع تفاوض بين دول لها حدود بلا منطق جغرافي أو هيدرولوجي [11]. فنهر الفرات الذي كان شرياناً حضارياً موحّداً أصبح اليوم ساحة توتر بين ثلاث دول. ونهر الأردن الذي أروى حضارات قديمة بات مُجزَّأً بين سلطات متعددة أضعفها فلسطين المحتلة. ونهر النيل الذي شكّل هوية مصر الحضارية باتت إثيوبيا تحتجزه وراء سد عملاق بينما تتفرج جامعة الدول العربية بعجز مُذهل.
الوحدة العربية في مواجهة أزمة المياه ليست ترفاً فكرياً أو حلماً رومانسياً، بل هي الشرط الموضوعي الأدنى لبقاء المجتمعات العربية. دولة قُطرية منفردة لا يمكنها إلزام تركيا بضخ حصة المياه المتفق عليها، لكن موقفاً عربياً موحداً مدعوماً بأوراق اقتصادية وسياسية قد يُغيّر المعادلة. ولن يتحقق ذلك طالما أن حكومات تُفضّل إدارة التجزئة على بناء التضامن.
خاتمة: الماء وجوداً لا رفاهيةً — ووحدةً لا خياراً
أزمة المياه في الوطن العربي ليست أزمة جفاف وحسب، بل هي أزمة حوكمة وأزمة سيادة وأزمة أولويات، وفوق كل ذلك هي أزمة تجزئة. إنها تكشف بجلاء كيف يمكن لثروة طبيعية حيوية أن تتحوّل إلى ورقة ضغط جيوسياسية ووسيلة هيمنة حين يغيب الوعي الجماعي والإرادة السياسية.
المنطقة التي أبدعت في السدود والقنوات منذ آلاف السنين — من سدود اليمن القديمة إلى منظومات ري بلاد الرافدين — باتت اليوم عاجزة عن صون ما تبقى من مائها بسبب ترهّل الحوكمة وتغوّل الصراعات وغياب التضامن الإقليمي. الرهان على المستقبل لا يكون بالتحسينات التقنية المجزّأة، بل بإعادة تعريف المياه باعتبارها حقاً سيادياً جماعياً يستوجب استراتيجيات عربية مشتركة.
إن كان ثمة درس واحد تُعلِّمه أزمة المياه، فهو أن التجزئة ليست محايدة — بل هي في حد ذاتها سياسة لصالح من يريد استنزاف الماء العربي. والوحدة ليست حلماً رومانسياً — بل هي الحد الأدنى من العقل السياسي الذي يصون الحياة.
المراجع والمصادر
[1] ويكيبيديا العربية، «المياه في الوطن العربي»، استناداً إلى بيانات البنك الدولي وتقارير الأمم المتحدة.
https://ar.wikipedia.org/wiki/المياه_في_الوطن_العربي
[2] الإسكوا — اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا، تصريحات الأمينة التنفيذية رولا دشتي، ومجلة آراء الاستراتيجية: «أزمة نقص المياه في الوطن العربي تتطلب حلولاً واقعية في إطار جماعي».
https://araa.sa
[3] صحيفة الخليج الإماراتية، «الوطن العربي كبير بمساحته فقير بمياهه العذبة»، مارس 2015.
https://www.alkhaleej.ae
[4] صحيفة الشرق الأوسط، «الجفاف يلاحق أنهاراً بالمنطقة: أزمة مناخ أم ممارسات بشرية؟»، ديسمبر 2025.
https://aawsat.com
[5] عوده جهاد وآخرون، «سد النهضة الإثيوبي والزراعة المصرية»، 2020، منظومة أغريس — منظمة الأغذية والزراعة (FAO).
https://agris.fao.org
[6] موقع الجزيرة نت، «من المغرب إلى العراق.. أزمة شح المياه تتفاقم في العالم العربي»، يناير 2025.
https://www.aljazeera.net/science/2025/1/2
[7] موقع الأخبار اللبناني، «انخفاض جسيم في مياه الفرات: تركيا مستمرة في تعطيش سوريا»، مايو 2025.
https://www.al-akhbar.com/arab/834739
[8] موقع RT عربي، «سلاح السدود التركي: خفض مياه الفرات يهدد بكارثة بيئية في سوريا»، 2020.
https://arabic.rt.com
[9] موقع سكاي نيوز عربية، «شح المياه في الوطن العربي: الأسباب والمخاطر المتوقعة».
https://www.skynewsarabia.com
[10] تقرير اليونسكو العالمي للمياه 2025، نتائج اليوم العالمي للمياه، مارس 2025.
https://aawsat.com
[11] مجلة الدراسات السياسية والاجتماعية، «دور تجارة المياه الافتراضية في التحديات المائية في الشرق الأوسط»، أكتوبر 2022.
https://jpsa.journals.ekb.eg/article_269195
© جميع حقوق النشر محفوظة للكاتب — الناصر خشيني — 2025





 



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...