التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحج والتقويم الإسلامي: إشكالية الزمان بين النص والاجتهاد بقلم: الناصر خشيني

 


 تقديم

في كل عام، وحين يشتد وهج الصيف ويبلغ الحرّ ذروته، يتجه ملايين المسلمين من أصقاع الأرض نحو مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، محملين بالإيمان ومثقلين بأعباء الحرارة القاسية. وتُسجّل إحصاءات الوفيات الناجمة عن الإجهاد الحراري أرقاماً مفجعة في أغلب السنوات. غير أن المتأمل في السيرة النبوية يجد أن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم لم يؤدِّ حجته الوحيدة "حجة الوداع" إلا في فصل يوافق وفق الحسابات الفلكية فصلَ الشتاء الميلادي. فأين الخلل؟ وكيف يُفهم هذا التناقض بين ما سنّه النبي عملياً وما يعيشه المسلمون اليوم؟
أولاً: التقويم الهجري وإشكالية الانفصال عن الفصول
يقوم التقويم الهجري على أساس السنة القمرية البحتة، المكوّنة من اثني عشر شهراً قمرياً لا يتجاوز مجموعها 354 يوماً، أي بفارق 11 يوماً تقريباً عن السنة الشمسية البالغة 365 يوماً. ومن ثَمَّ، تتقدم الشهور الهجرية كل عام بمقدار هذا الفارق، لتدور دورة كاملة على الفصول الأربعة في غضون نحو 33 سنة شمسية.
وقد كان العرب قبل الإسلام يستخدمون نظام "النسيء"، أي تأجيل الأشهر الحرم وإضافة شهر كبيس كل فترة، للحفاظ على توافق التقويم مع الفصول. وقد جاء القرآن الكريم لينهى عن هذه الممارسة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ (التوبة: 37). وقد فُسّر هذا النهي تاريخياً على أنه تحريم لأي شكل من أشكال التعديل التقويمي، مما أفضى إلى اعتماد السنة القمرية الخالصة نهجاً ثابتاً، بصرف النظر عن تداعياته العملية.
ثانياً: حجة الوداع في ميزان الفلك.                                                          وردت عدّة أقوالٍ للعلماء في بيان وتحديد التاريخ الميلاديّ لحجّة الوداع؛ فقد ذُكر في كتاب موجز التاريخ الإسلامي أنّ حجّة الوداع كانت سنة ستّمئةٍ وإحدى وثلاثين للميلاد،أمّا اليوم الذي صادف وقوع حجّة الوداع، فكان يوم السبت من شهر كانون الثاني/ يناير،وذكر محمد رضا في كتابٍ له اسمه "محمّد صلى الله عليه وسلم" أنّ حجّة الوداع كانت في شهر آذار/ مارس، من سنة ستّمئةٍ واثنين وثلاثين للميلاد بحيث.
 أن حجة الوداع من خلال هذا القول أُديّت في ذي الحجة من العام العاشر الهجري، الموافق لشهر مارس من عام 632 ميلادي. وشهر مارس في منطقة الحجاز يوافق أواخر فصل الشتاء وبداية الربيع، حيث تتراوح درجات الحرارة في مكة بين 20 و28 درجة مئوية، مناخٌ معتدل يختلف اختلافاً جذرياً عن الحرارة الخانقة التي تصل أحياناً إلى 45 درجة وما فوق خلال موسم الحج في أشهر الصيف اليوموبما ان المسالة خلافية فهي ليست دينا.
وبالمنطق ذاته، يُشير الباحثون إلى أن النبي صام رمضان على مدار تسع سنوات متتالية، بدءاً من السنة الثانية للهجرة، وكانت غالبية هذه السنوات تصادف فصلَي الخريف والشتاء، مما جعل الصيام في اعتدال نسبي مقارنة بما يعانيه المسلمون اليوم حين يصادف رمضان أشهر القيظ.
ثالثاً: الاجتهادات التي شكّلت الواقع
يُقرّ الفقهاء بأن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو من أسّس للتقويم الهجري المعمول به اليوم في صيغته الرسمية، وذلك في العام السابع عشر للهجرة. وقد اختار أن يكون مبدأ التأريخ من هجرة النبي، وأن يظل التقويم قمرياً صرفاً دون أي تعديل شمسي. وهو اجتهاد بشري، لا وحيٌ إلهي، أسهم في ترسيخ هذا الانفصال بين المناسبات الدينية وفصول السنة.
والأهم من ذلك أن مسألة النسيء التي نهى عنها القرآن كانت في جوهرها ممارسةً سياسية يستغلها زعماء القبائل لتأجيل الأشهر الحرم خدمةً لمصالح الحرب. ويرى عدد من الباحثين المعاصرين أن النهي القرآني كان يستهدف هذه الحيلة السياسية تحديداً، لا مجرد التوافق الفلكي بين التقويم والفصول.
رابعاً: إشكاليات المنهج والتمييز بين الثابت والمتغير
إن جوهر المسألة يكمن في سؤال منهجي عميق: هل كل ما جرى في عهد النبي يُعدّ تشريعاً لازماً وملزماً، أم أن بعضه جاء استجابةً للسياق الزمني والظرف التاريخي؟
الشريعة الإسلامية في جوهرها تُفرّق بين العبادات ذات الأصل الثابت، وبين الوسائل والآليات التي تخضع لمبدأ المصلحة والدرء عن المفسدة. وفي هذا السياق، يمكن القول إن توقيت الحج في ذي الحجة ثابتٌ بالنص القرآني، لكن العلاقة بين ذي الحجة والفصول المناخية ليست ثابتةً في ذاتها، وإنما تتغير بطبيعة التقويم القمري.
والحجج المانعة من أي مراجعة تستند في الغالب إلى موروث فقهي تراكمي لا إلى نصوص قطعية الدلالة، في حين أن مآلات هذا الموروث تشمل وفيات بالآلاف جراء موجات الحر كل موسم.
خامساً: نحو مراجعة جريئة ومسؤولة
لا يعني الدعوة إلى المراجعة إنكاراً للثوابت أو خروجاً عن الأصول، بل هي دعوة إلى التمييز الدقيق بين ما هو من الدين وما هو من التاريخ والاجتهاد البشري. وقد أجاز كثير من علماء الفقه الإسلامي الكلاسيكيين أن تتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والأحوال.
والأسئلة المشروعة التي تطرحها هذه الإشكالية هي:
هل يمكن إعادة النظر في التقويم الهجري بما يجمع بين القمرية في العبادات والاعتدال المناخي في التطبيق؟ وهل ثمة آليات فقهية معاصرة تُجيز إضافة تعديل شمسي دون أن يمسّ ذلك جوهر العبادة؟ وهل يجب أن تنتظر الأمة حتى يصادف الحج موسم الصيف القاتل كل بضعة عقود لتُعيد طرح هذه الأسئلة؟
خاتمة
إن الإسلام دين اليسر لا العسر، ودين العقل لا التقليد الأعمى. وما وصل إلينا من اجتهادات بشرية في إطار التقويم والتوقيت ليس قرآناً منزّلاً ولا سنةً ثابتة في كل تفاصيلها، بل هو تراثٌ فقهي قابل للنقد والمراجعة. والحجاج الذين يلقون حتفهم سنوياً تحت وطأة الحر ليسوا ضحايا الدين، بل هم ضحايا التقديس المزوّر لاجتهادات بشرية قابلة للتصحيح. آن لأهل العلم والفكر أن يُعيدوا طرح هذه المسائل بعيداً عن التابو، خدمةً للدين قبل أي اعتبار آخر.
المراجع والمصادر
ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ.
ابن كثير، البداية والنهاية، أحداث السنة العاشرة الهجرية، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
الطبري، تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة.
محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، دار النفائس، عمّان، 2001.
يوسف القرضاوي، الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، دار القلم، الكويت، 1996.
جمال الدين عطية، نحو تفعيل مقاصد الشريعة، دار الفكر، دمشق، 2001.
David King, Astronomy in the Service of Islam, Variorum, Aldershot, 1993.
F.C. De Blois, "Tā'rīkh", The Encyclopaedia of Islam, Vol. X, Brill, Leiden, 2000.
منظمة الصحة العالمية، تقارير الوفيات الناجمة عن الإجهاد الحراري خلال موسم الحج، 2023-2024.

  أحمد معمور العسيري (1996)، موجز التاريخ الإسلامي من عهد آدم إلى عصرنا الحاضر (الطبعة الأولى)، صفحة 92، جزء 1. بتصرّف.                                                               وجدان فريق عناد العارضي (2017)، إمارة الحج في الدول العربية والإسلامية (الطبعة الأولى)، الأردن: دار أمجد، صفحة 297. بتصرّف.                                                            محمد رضا، محمد صلى الله عليه وسلم جزء 2  صفحة 71

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...