التخطي إلى المحتوى الرئيسي

انحسار "إسرائيل الكبرى" وانكفاء الهيمنة الأمريكية في مياه هرمز ​بقلم: الناصر خشيني



​يشهد العالم في مطلع عام 2026 تحولاً دراماتيكياً في موازين القوى؛ حيث لم يعد "مضيق هرمز" مجرد ممر مائي، بل صار مقبرة لأوهام الهيمنة الأحادية. إن ما جرى من "ضربة استباقية" في الفجيرة وما تبعها من مفاجآت استراتيجية على جبهة لبنان، وضع واشنطن وتل أبيب أمام واقع جيوسياسي جديد لا يمكن الالتفاف عليه.
​أولاً: إجهاض حملة الفجيرة والانكفاء الأمريكي
كانت المحاولة الأمريكية لتدشين حملة انطلاقاً من الإمارات تهدف إلى فرض "نسخة مشوهة" من حرية الملاحة تخدم مصالحها المنفردة. إلا أن رد الفعل الإيراني في الفجيرة، كضربة استباقية أجهضت هذه الحملة في مهدها، دفع واشنطن للانتقال من مربع التهديد العسكري إلى مربع "التفاوض الاضطراري" لحماية ما تبقى من تدفقات الطاقة العالمية.
​ثانياً: ملامح اتفاق هرمز المحتمل (الـ 14 بنداً)
تشير المعطيات السياسية الحالية إلى اقتراب واشنطن من توقيع تفاهم مع طهران يتضمن 14 بنداً جوهرياً لنزع فتيل الانفجار الشامل:
​الاعتراف المتبادل بالحقوق الملاحية وضمان أمن الناقلات.
​تحييد الموانئ الاستراتيجية (كالفجيرة) عن أي أعمال عدائية.
​تخفيف العقوبات التقنية والسماح بتصدير كميات محددة من النفط.
​إنشاء خط ساخن مشترك (نظام إنذار مبكر) لتجنب الصدام العرضي.
​جدولة سحب التعزيزات البحرية الأمريكية الاستثنائية من المنطقة.
​وضع ضوابط لتحليق المسيرات فوق الممرات المائية الدولية.
​إطلاق حوار أمني إقليمي مباشر (إيراني-خليجي) برعاية دولية.
​تجميد التصعيد الإعلامي والحملات الدعائية الموجهة.
​تعهد الطرفين بحماية الكابلات البحرية والبنية التحتية للطاقة.
​تشكيل لجان فنية مشتركة لمراقبة سلامة المرور البحري.
​تسوية ملف السجناء والرهائن كبادرة حسن نية.
​رسم خارطة طريق لتقليص الوجود العسكري الأجنبي واستبداله بمنظومة أمن إقليمي.
​التنسيق المشترك في عمليات مكافحة القرصنة البحرية.
​بروتوكول تفتيش فني لا يمس بالسيادة الوطنية للدول المشاطئة.
​ثالثاً: تصدع "إسرائيل الكبرى" وصعود الأقطاب
تزامن هذا الانكفاء الأمريكي مع تآكل بنيوي في قدرات الكيان الصهيوني. إن المواجهات المفاجئة والقوية مع حزب الله أثبتت أن نظرية "الجيش الذي لا يقهر" قد سقطت ميدانياً. لم يعد الكيان قادراً على لعب دور "الشرطي الوظيفي" لأمريكا، بل تحول إلى عبء يتطلب حماية خارجية مستمرة. هذا التراجع الصهيوني فسح المجال لظهور أقطاب دولية كالصين وروسيا، اللتين استغلتا الفراغ لتعزيز نفوذهما الاقتصادي والسياسي، مع تعاظم الدور الإيراني كقطب إقليمي وازن فرض شروطه بالصمود والمقاومة.
​خاتمة وحتمية المواجهة:
إن إرادة شعوب المنطقة التي ذاقت الويلات من "السرطان الصهيوني" هي التي تحسم الموقف اليوم. اللوبي الصهيوني لن يستسلم بسهولة، لكن المقاومة التي انطلقت بزخم متجدد منذ 7 أكتوبر 2023 لا تزال قائمة ومستمرة، وهي الكفيلة بإنهاء مشروع "إسرائيل الكبرى" وإعادة رسم خارطة المنطقة وفق إرادة أصحاب الأرض، لا وفق أهواء القوى الاستعمارية المنكفئة.
​المراجع والمصادر:
​موقع Axios الأمريكي: تقرير "مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران" (مايو 2026).
​صحيفة الخليج: "مسارات التهدئة في مضيق هرمز" (2026).
​تقرير مجلس الأمن الدولي (Security Council Report): "تحديثات الميدان في جنوب لبنان".
​مركز دراسات أسباب (Asbab): "التحولات الجيوسياسية وصعود التعددية القطبية".

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...