قائمة المدونات الإلكترونية

الأحد، 31 مايو 2026

هل البنوك الإسلامية تابعة للنظام الرأسمالي ومتحايلة على الشريعة؟ بقلم الناصر خشيني






مدخل
يُعدّ الجدل حول البنوك الإسلامية من أكثر النقاشات الاقتصادية والفقهية حدةً في العالم العربي والإسلامي المعاصر، إذ تتشابك فيه الحجج الشرعية مع التحليلات الاقتصادية، وتتقاطع المصالح المالية مع الخطاب الديني. وقد نشأت فكرة المصرفية الإسلامية في سياق يسعى إلى تقديم بديل عن النظام المصرفي التقليدي القائم على الفائدة، التي يُعدّها الفقه الإسلامي ربًا محرّمًا. غير أن الواقع العملي لهذه البنوك طرح تساؤلات جوهرية حول مدى صحة هذا الادعاء، وما إذا كانت هذه المؤسسات تمثّل فعلاً نموذجاً مالياً مغايراً، أم أنها لا تعدو كونها غلافاً شرعياً لممارسات رأسمالية في جوهرها.
أولاً: تعريف البنوك الإسلامية والإطار النظري
أشارت الاتفاقية الخاصة بإنشاء الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية في فقرتها الأولى من المادة الخامسة إلى تعريف البنوك الإسلامية بأنها: "تلك البنوك أو المؤسسات التي ينص قانون إنشائها ونظامها الأساسي صراحةً على الالتزام بمبادئ الشريعة، وعلى عدم التعامل بالفائدة أخذاً وعطاءً" (1).
كما يمكن تعريفها بأنها مؤسسات مالية نقدية ذات أهداف اقتصادية واجتماعية وأخلاقية، تسعى إلى تعبئة الموارد وتوظيفها في مشاريع تتوافق ومبادئ الشريعة الإسلامية، ملتزمةً في ذلك بعدم التعامل بالربا أخذاً أو عطاءً، ومحققةً التنمية الاقتصادية والرفاهية للمجتمع الإسلامي (2).
وتقوم البنوك الإسلامية، من الناحية النظرية، على دور الوساطة المالية بين فئتَي المدخّرين والمستثمرين، في إطار صيغة المضاربة الشرعية القائمة على مبدأ المشاركة في الربح والخسارة، والقاعدة الفقهية "الغُنم بالغُرم" (3). وتُعدّ هذه القاعدة ركيزةً أساسيةً في الفقه الإسلامي، إذ تعني أن من يتحمّل مخاطر الخسارة هو وحده من يستحق الربح، وهو ما يميّزها نظرياً عن القرض بفائدة ثابتة الذي يضمن للمُقرض ربحاً بصرف النظر عن نتيجة المشروع المموَّل.
ولكي يُصنَّف بنكٌ ما إسلامياً وفق المروّجين لهذا النموذج، ينبغي توافر شرطين أساسيين: الأول هو عقد التأسيس، بمعنى أن تُعلن المؤسسة البنكية في وثائق إنشائها التزامها بأحكام الشريعة ورفضها للتعامل بالربا. والثاني هو هيئة الرقابة الشرعية، أي وجود لجنة علمائية متخصصة تُراقب مدى مطابقة المنتجات والمعاملات المصرفية لأحكام الشريعة (4). ويرى المدافعون عن هذا النموذج أن هذين الشرطين كافيان لإضفاء الشرعية الدينية على العمل المصرفي.
ثانياً: المرابحة بين الشرعية الصورية والحقيقة الاقتصادية
يُشكّل منتج المرابحة العمود الفقري للعمل المصرفي الإسلامي في أغلب الدول، إذ تتجاوز حصته في محافظ كثير من البنوك الإسلامية 70% من إجمالي التمويلات (5). والمرابحة في الفقه الإسلامي الكلاسيكي هي بيع يُفصح فيه البائع عن تكلفة البضاعة ويضيف إليها ربحاً معلوماً. وقد تطوّرت هذه الآلية في السياق المصرفي المعاصر لتشمل ما يُعرف بـ"المرابحة للآمر بالشراء"، وهي صيغة يطلب فيها العميل من البنك شراء سلعة معينة، ثم يشتريها العميل بدوره من البنك بسعر مؤجّل يشمل ربحاً محدداً.
غير أن هذه الآلية تعرّضت لانتقادات جوهرية من داخل الفقه الإسلامي ذاته؛ إذ يرى فريق من الباحثين أن البنك في الواقع العملي لا يمتلك السلعة حقيقةً، ولا تنتقل إليه ملكيتها الفعلية بما تستلزمه من مخاطر، وإنما يُوظَّف عقد البيع الصوري ستاراً لعملية إقراض بفائدة مُقنّعة (6). فإذا كان القرض بالفائدة ربا صريحاً محرّماً، فإن هذا الشكل من المرابحة لا يختلف في مآله الاقتصادي عنه، وإن اختلف في التسمية والإجراء الشكلي.
ويزيد من إشكالية هذه الآلية أن نسبة الربح فيها تتغيّر بحسب مدة التسديد؛ فكلما طالت المدة ارتفعت النسبة، وهو ما يُعيد بدقة منطق الفائدة الزمنية في الاقتصاد التقليدي (7). ويُلاحظ بعض الخبراء أن البنوك الإسلامية كثيراً ما تفرض هوامش ربح أعلى من نظيراتها التقليدية، مستترةً بغياب سقف واضح للربح في عقود المرابحة (8)، ما يجعل المنتج المالي "الإسلامي" أغلى فعلياً من القرض التقليدي.
وما يُفاقم الإشكال أن آلية المرابحة تنطوي على غياب المخاطرة الحقيقية من جانب البنك، فهو يشترط في الغالب ضمانات عينية وشخصية مشابهة تماماً لتلك التي تشترطها البنوك التقليدية، بل إن عقود المرابحة المعاصرة تتضمن في أغلب الأحيان شرطاً بالتزام العميل بالشراء قبل انتقال الملكية، مما يُلغي عملياً مخاطرة البنك (9). وهنا يسقط المبرّر الفقهي الأساسي للمشروعية، وهو قاعدة "الغُنم بالغُرم".
ثالثاً: هيئات الرقابة الشرعية وإشكالية الاستقلالية
تُعدّ هيئات الرقابة الشرعية العمود المؤسسي الذي يُضفي على البنوك الإسلامية شرعيتها الدينية. وتتكوّن هذه الهيئات في الغالب من علماء دين حظوا بمكانة مرموقة في الفقه الإسلامي. غير أن استقلالية هذه الهيئات باتت مثار جدل واسع في الأوساط الأكاديمية والفقهية؛ إذ يُلاحظ باحثون كثيرون أن الهيئة تتقاضى مقابلاً مادياً من البنك ذاته الذي تُراقبه، مما يُفضي بطبيعته إلى تعارض في المصالح (10).
ويُشير بعض الدارسين إلى أن عدداً من كبار العلماء المعيَّنين في هذه الهيئات يجمعون بين العضوية في هيئات شرعية لبنوك متعددة، قد تتجاوز العشرة في آنٍ واحد، مما يُثير تساؤلات حول مدى قدرتهم على الرقابة الفعلية الدقيقة، وحول طبيعة العلاقة الفعلية بين هؤلاء العلماء والمؤسسات المالية التي يُضفون عليها الشرعية (11).
ويذهب فريق من الباحثين إلى أن هذه الهيئات باتت في جوهرها أداةً تسويقيةً أكثر منها رقابةً شرعيةً حقيقية، وأن الفتاوى الصادرة عنها كثيراً ما تُصاغ بما يخدم مصلحة البنك في تسويق منتجاته، لا بما يخدم مصلحة المتعاملين أو يُحقق العدالة المالية (12). وهذا ما يُفسّر كيف أن بنوكاً تُقدّم منتجات شبه متطابقة بنتائجها الاقتصادية مع منتجات البنوك التقليدية تحصل مع ذلك على "شهادة الحلال" من هيئاتها الشرعية.
رابعاً: البنوك الإسلامية وبنية النظام الرأسمالي العالمي
إن فهم واقع البنوك الإسلامية لا يكتمل دون استيعاب البنية الكلية للنظام الاقتصادي العالمي الذي تعمل في إطاره. فالرأسمالية المالية المعاصرة نظامٌ متكامل له قوانينه ومنطقه الداخلي الذي يفرض نفسه على كل مؤسسة تعمل ضمنه، بصرف النظر عن الواجهة الأيديولوجية أو الدينية التي تتبنّاها (13). وقد أدركت المؤسسات المالية الكبرى هذا المنطق مبكراً، فأسّست هي ذاتها "نوافذ إسلامية"، أي وحدات متخصصة في تقديم المنتجات المالية الإسلامية، من داخل بنوك رأسمالية عملاقة كـ"HSBC" و"Citibank" و"Deutsche Bank" (14)، مما يكشف أن "الإسلامية" في هذا السياق باتت مجرد نيش تسويقي في سوق رأسمالية عالمية متشعّبة.
والبنوك الإسلامية، شأنها شأن سائر المؤسسات المالية، تعمل ضمن منظومة مالية دولية تُهيمن عليها مؤسسات من قبيل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وتخضع لتوجيهاتها في ما يتعلق بالسياسات النقدية والمالية (15). وفي هذا الإطار، يكون هامش المناورة الفعلي لهذه البنوك ضيّقاً للغاية؛ إذ لا يُمكنها الانحراف جوهرياً عن الآليات الرأسمالية دون أن تُعرّض نفسها للإفلاس أو التهميش.
ويظهر هذا التناقض بجلاء في تعامل البنوك الإسلامية مع سوق ما بين البنوك (Interbank Market)، حيث تضطر في أغلب الأحيان إلى الاستعانة بأدوات مرتبطة بمعدلات الفائدة العالمية كـ"LIBOR" و"SOFR" (16)، وذلك لضبط هوامش ربحها بما يتناسب مع بيئة المال الدولية. فتجد هذه البنوك نفسها أمام مفارقة جوهرية: إنها تُعلن رفضها المبدئي للفائدة، بينما تستخدم الفائدة ذاتها مرجعاً خفياً لتسعير منتجاتها.
خامساً: الأثر الجيوسياسي والدور الخليجي
لا يمكن فهم انتشار البنوك الإسلامية واتساع نفوذها دون استحضار السياق الجيوسياسي، ولا سيما دور دول الخليج العربي في دعم هذا النموذج وتمويله وتصديره. فقد شهدت العقود الأخيرة تضخيماً واسعاً للثروات النفطية الخليجية، التي وجدت في البنوك الإسلامية نافذةً مُريحةً تجمع بين تعظيم الأرباح المالية وصرف الأموال في مشاريع تحمل غطاءً دينياً (17). وقد أسهم ذلك في تأسيس شبكة واسعة من البنوك الإسلامية في أرجاء العالم العربي والإسلامي، تتمركز أصول معظمها في دول الخليج أو ترتبط بمصالح خليجية.
غير أن الحكومات الخليجية ذاتها تعيش تناقضاً عميقاً: فهي، من جهة، تُروّج للاقتصاد الإسلامي وتضخّ الأموال في بنوكه ومؤسساته، ومن جهة أخرى، تُقيم علاقات عضوية مع المنظومة الرأسمالية الغربية، وترتبط بتحالفات استراتيجية مع الولايات المتحدة وحلف الناتو تضمن استمرارية أنظمتها (18). وهذا التناقض يكشف أن الاقتصاد الإسلامي كما تُقدّمه هذه الأنظمة ليس مشروعاً للانفصال عن الرأسمالية، بل هو في أحيان كثيرة أداة لإدارة مجتمعاتها داخلياً وتسويق سياساتها في الخارج.
سادساً: نحو بديل حقيقي
إن الخروج من هذا المأزق الاقتصادي والشرعي يستلزم تجاوز الإصلاح الشكلي للنماذج القائمة والتفكير في بنية مالية بديلة جوهرياً. ويرى كاتب هذه السطور أن الحل الأمثل يقوم على مرتكزات ثلاثة:
أولها: تأميم القطاع المصرفي وإخضاعه للسلطة العامة للدولة، بحيث تكون البنوك مؤسسات عمومية تعمل في خدمة الاقتصاد الوطني لا في خدمة الأرباح الخاصة. وهذا ما أثبت جدواه في نماذج تنموية متعددة، حيث نجحت البنوك العمومية في تمويل مشاريع البنية التحتية والتنمية الاجتماعية بعيداً عن منطق الربح الرأسمالي الأعمى.
وثانيها: تحديد هوامش ربح شفافة ومعلنة مسبقاً من قِبل الدولة، بما يُلغي الغموض المتعمَّد في تسعير المنتجات المالية ويُحمي المتعاملين من الاستغلال.
وثالثها: إرساء قطاع مالي وطني مستقل يُحدّ من التبعية للمنظومة المالية الدولية ومؤسساتها، في إطار سياسة اقتصادية سيادية شاملة.
بيد أن هذا المسار لن يتحقق في ظل الأنظمة الراهنة المرتبطة عضوياً بالمنظومة الرأسمالية العالمية. إن بناء اقتصاد ذي سيادة يستلزم إرادةً سياسيةً حرة وشعوباً واعيةً بمصالحها، تتجاوز الخطاب الديني المُسيَّس الذي كثيراً ما أُوظّف لتكريس الواقع لا لتغييره.
خاتمة
يكشف التحليل المعمَّق لنماذج العمل المصرفي الإسلامي أن الإشكالية ليست في الشريعة ذاتها، التي تتضمن بالفعل مبادئ عدالة مالية راسخة، بل في توظيف هذه المبادئ لخدمة منطق رأسمالي لا تُخفيه الواجهة الدينية. فالبنوك الإسلامية في صيغتها الراهنة تُمثّل نموذجاً لما يمكن تسميته بـ"الرأسمالية المُؤسلمة"، أي رأسمالية تُضفي على نفسها شرعيةً دينيةً دون أن تُغيّر جوهرها. والمستفيد الأكبر من هذه المعادلة ليس المواطن المسلم الباحث عن تمويل شرعي، بل الرساميل الكبرى التي وجدت في هذا الخطاب الديني أداةً لتوسيع قاعدة عملائها ورفع أرباحها.
الهوامش
(1) الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية، الاتفاقية الخاصة بإنشاء الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية، المادة الخامسة، الفقرة الأولى، جدة، 1977.
(2) أحمد محيي الدين أحمد، البنوك الإسلامية: المبادئ والأهداف، دار النهضة العربية، بيروت، 1984، ص. 47.
(3) ابن قدامة المقدسي، المغني، دار هجر للطباعة، القاهرة، 1986، ج8، ص. 120؛ انظر أيضاً: يوسف القرضاوي، فوائد البنوك هي الربا الحرام، مكتبة وهبة، القاهرة، 1994، ص. 35.
(4) محمد عبد الحليم عمر، الإطار الشرعي والاقتصادي والمحاسبي لبيع المرابحة، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، جدة، 1996، ص. 20.
(5) هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (أيوفي)، التقرير السنوي، البحرين، 2019، ص. 54.
(6) سامي السويلم، التحوط في التمويل الإسلامي، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، جدة، 2007، ص. 88.
(7) محمد نجاة الله صديقي، قضايا في الاقتصاد الإسلامي، المركز العالمي لأبحاث الاقتصاد الإسلامي، جدة، 1996، ص. 101.
(8) Mahmoud El-Gamal, Islamic Finance: Law, Economics, and Practice, Cambridge University Press, New York, 2006, p. 20.
(9) عبد العزيز فهمي هيكل، الاقتصاد الإسلامي المعاصر، دار الشروق، القاهرة، 2000، ص. 132.
(10) Volker Nienhaus, "Governance of Islamic Banks", in Handbook of Islamic Banking, Edward Elgar Publishing, Cheltenham, 2007, p. 129.
(11) Timur Kuran, Islam and Mammon: The Economic Predicaments of Islamism, Princeton University Press, Princeton, 2004, p. 15.
(12) فالح عبد الله العامري، هيئات الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية: الواقع والمأمول، بحث مقدم لمجمع الفقه الإسلامي الدولي، جدة، 2010، ص. 7.
(13) إيمانويل والرشتاين، النظام العالمي الحديث، ترجمة: عبد الهادي عباس، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية، 1991، ج1، ص. 23.
(14) Ibrahim Warde, Islamic Finance in the Global Economy, Edinburgh University Press, Edinburgh, 2000, p. 97.
(15) عصام الدين محمد علي، صندوق النقد الدولي والدول النامية، دار النهضة العربية، بيروت، 1998، ص. 56.
(16) Humayon Dar & John Presley, "Lack of Profit Loss Sharing in Islamic Banking", International Journal of Islamic Financial Services, Vol. 2, No. 2, 2000, p. 45.
(17) الجزيرة الاقتصادية، تقرير: دول الخليج والمصرفية الإسلامية، الرياض، 2018، ص. 12.
(18) نوم تشومسكي، الردع النووي والسياسة الخارجية الأمريكية، ترجمة: صالح علماني، دار الآداب، بيروت، 2002، ص. 89.

 




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أزمة المياه في الوطن العربي حين يصبح الماء سلاحاً وسياسةً ومصيراً بقلم الناصر خشيني

  مقدمة: «مثلث العطش» لا يُعرف الوطن العربي في الأدبيات الجيوسياسية المائية بوصفه منطقةً غنيةً بمواردها الطبيعية فحسب، بل يُعرف أيضاً بلقب م...