لم تكن هزيمة الخامس من حزيران (يونيو) عام 1967 مجرد انكسار عسكري عابر على جبهات القتال، بل كانت زلزالاً استراتيجياً وبنيوياً أعاد تشكيل الوعي العربي وصاغ مسارات الصراع في الشرق الأوسط لعقود طويلة [1]. واليوم، ونحن نستحضر ذكرى النكسة في ظل مشهد إقليمي شديد المعاصرة والخطورة، ندرك أن قراءة تلك المرحلة لا تجوز أن تقتصر على البكاء فوق أطلال الهزيمة، بل يجب أن تتحول إلى مختبر فكري لقراءة الحاضر واستشراف لاءات المستقبل العروبي.
من الانهيار إلى الالتفاف: الوعي الجماهيري كحائط صد
كشفت النكسة بمرارة عن فجوة هائلة في أساليب التخطيط، والتفوق التقني والاستخباراتي للعدو، والخلل البنيوي في الإدارة العسكرية العربية آنذاك [2]. لكن العبقرية الحقيقية للمشروع القومي برزت في كيفية امتصاص الصدمة؛ فخطاب التنحي التاريخي للرئيس الراحل جمال عبد الناصر في 9 يونيو لم ينته بانسحاب القائد، بل بتفجير طاقة الرفض الشعبي الكامنة. خرجت الجماهير العربية لترفض الهزيمة، معلنةً أن سقوط الجيوش لا يعني سقوط إرادة الأمة.
هذا الالتفاف الجماهيري العفوي والمنظم مـثّل حجر الأساس لـ "مرحلة الصمود"، والتي تُرجمت سياسياً في قمة الخرطوم (أغسطس 1967)، حيث صاغ العرب جداراً صلباً تمثل في اللاءات الثلاث: لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض [3]. كانت هذه اللاءات إعلاناً صريحاً بأن التنازل عن الحقوق التاريخية تحت وطأة السلاح أمر غير قابل للنقاش.
حرب الاستنزاف وأكتوبر 1973: كسر أسطورة التفوق
لم تقف القيادة العسكرية مكتوفة الأيدي، بل تحولت اللاءات سريعاً إلى عقيدة قتالية تجسدت في حرب الاستنزاف (1967 - 1970). نجحت هذه الحرب في تدمير مفهوم "الأمن المستدام" للاحتلال، وفرضت عليه استنزافاً بشرياً واقتصادياً متواصلاً، وتُوّجت ببناء حائط الصواريخ المعقد الذي حرم العدو من تفوقه الجوي المطلق [4].
أدت هذه المقدمات العلمية والجادة إلى ملحمة أكتوبر 1973، حيث تحطمت تحصينات خط بارليف والجولان في أكبر انهيار وجودي وعسكري شهدته إسرائيل منذ نشأتها [5]. ولم يوقف هذا الانهيار الشامل سوى التدخل الأمريكي المباشر والفوري عبر الجسر الجوي العسكري الشامل (عملية عشب النيكل)، لإنقاذ حليفتها الاستراتيجية في اللحظات الأخيرة.
مقارنة الأرقام: بين "عشب النيكل" والمدد المعاصر
إن التدخل الغربي لحماية الكيان الصهيوني ليس حدثاً طارئاً، بل هو عقيدة إمبراطورية ثابتة تطورت لغتها الإحصائية عبر الزمن بكثافة مرعبة:
- عام 1973 (عملية عشب النيكل): شحنت واشنطن حوالي 22,325 طناً من الدبابات والمدفعية والذخائر عبر طائرات "سي-5 غالاكسي" و"سي-141"، بالإضافة إلى 560 ألف طن شُحنت بحراً، بكلفة ناهزت 2.2 مليار دولار آنذاك لإنقاذ جيش الاحتلال من الانهيار الكلي [6].
- الدعم العسكري المعاصر (المعركة الحالية): تجاوز الدعم الأمريكي كل الخطوط القياسية السابقة؛ حيث رصدت واشنطن حزم مساعدات عسكرية تجاوزت 17.9 مليار دولار في عام واحد من الحرب، تضمنت تشغيل جسور جوية ممتدة نقلت عشرات الآلاف من القنابل الموجهة بدقة (مثل GBU-39 وMK-84) وقذائف المدفعية، فضلاً عن النشر المباشر لحاملات الطائرات ومنظومات الدفاع الجوي المتطورة (مثل ثاد تلو الآخر) باعتراف البنتاغون لحماية العمق الإسرائيلي من الهجمات الإقليمية ومسيرات المقاومة الصامدة [7].
يكشف هذا التطور الرقمي أن واشنطن لم تعد تكتفي بدور "المموِّل العسكري الحليف" كما في 1973، بل تحولت إلى شريك عملياتي مباشر في إدارة الميدان وخوض الحرب الإقليمية بالوكالة لحماية منظومة الردع الإسرائيلية المتآكلة.
القواعد الأمريكية: وهم الحماية واستنزاف الثروات
عند إسقاط دروس الماضي على واقعنا الراهن، نجد أن الخريطة الجيوسياسية للمنطقة ما زالت محكومة بنفس الثوابت الاستعمارية. إن الانتشار الواسع للقواعد العسكرية الأمريكية والأجنبية في المنطقة، والذي تم تبريره لسنوات طويلة تحت لافتة "حماية العروش وأنظمة الحكم"، لم يكن يوماً لصالح الاستقرار العربي.
لقد أثبتت المحطات التاريخية الصعبة، وصولاً إلى موجات التصعيد الراهنة والمواجهات العسكرية المباشرة وغير المباشرة مع إيران، أن هذه الترسانات الممتدة والمدفوعة بـ "ترليونات الدولارات" من ثروات الأمة، صُممت بالأساس لخدمة هدفين لا ثالث لهما:
- حماية الأمن الوجودي لإسرائيل: وضمان تفوقها العسكري النوعي على محيطها، واعتراض أي تهديد يطال عمقها الاستراتيجي عبر شبكات الرادارات والقواعد المنتشرة.
- استنزاف ورهن الموارد العربية: وإبقاء القرار السياسي الإقليمي تابعاً للمظلة الغربية، وتجريد الدول من مقومات الدفاع الذاتي المستقل [7].
الدرس المستفاد: المقاومة كبديل تاريخي
إن الدرس الأبرز المستوحى من روح حزيران، والذي تعيد المقاومة الباسلة في غزة وفلسطين ولبنان واليمن والعراق كتابته بدمائها اليوم، هو أن توازن القوى لا تصنعه الترسانات التكنولوجية وحدها، بل تصنعه "عدالة القضية وعقيدة الصمود".
تماماً كما تحولت نكسة الجيوش عام 1967 إلى طاقة استنزاف ومواجهة شاملة، يثبت الواقع المعاصر أن الرهان على التحالفات الغربية والمظلات الأمريكية لحماية العروش ما هو إلا وهم مكلف. إن المظلة الوحيدة الحقيقية هي التلاحم الشعبي، وبناء القوة الذاتية المستقلة، والتمسك بخيار المقاومة الشاملة لكسر أوهام الهيمنة وتغيير الموازين المفروضة على الأمة منذ عقود.
الهامش والمراجع :
- [1] الناصر خشيني: قراءات في فكر حزيران وتداعيات النكسة، أرشيف دراسات دنيا الرأي.
- [2] محمد حسنين هيكل: الانفجار 1967 - حرب الثلاثين سنة، مركز الأهرام للترجمة والنشر.
- [3] وثائق جامعة الدول العربية: قرارات ومخرجات قمة الخرطوم (مؤتمر اللاءات الثلاث)، أغسطس 1967.
- [4] الفريق أول محمد فوزي: حرب الاستنزاف 1967 - 1970، مذكرات وزير الحربية المصري الأسبق.
- [5] المشير أحمد إسماعيل: التوجيه الاستراتيجي وحرب أكتوبر (وثائق عسكرية ومذكرات رسمية).
- [6] تقارير وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون): سجلات عملية الجسر الجوي "عشب النيكل" (Operation Nickel Grass 1973)، الأرشيف العسكري.
- [7] نوام تشومسكي: الهيمنة أم البقاء - السعي الأمريكي نحو السيطرة العالمية، دراسات في الجيوسياسية الشرق أوسطية (محدث ببيانات تمويل
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق