التخطي إلى المحتوى الرئيسي

النفط العربي: نعمة تحوّلت نقمة كيف سرقت الثروة الشعبَ بقلم: الناصر خشيني


 في خمسينيات القرن الماضي، حين انبثق النفط من باطن الصحراء العربية، حلم الناس بغدٍ مختلف. حلموا بمدارس وأرغفة ومستشفيات، بأوطان تعيش أخيرًا على ثرواتها لا على قمحٍ مستورد ومديونية متراكمة. وجزئيًا، تحقّق بعض الحلم: قامت ناطحات السحاب في الصحراء، وشُقّت الطرق في الرمال، ونبعت المياه في أرض القيظ. لكن ما خفي كان أعظم وأمرّ: فالثروة النفطية، بدلًا من أن تكون نعمةً للشعوب، صارت أداةً في يد أنظمة استبدادية، وقودًا للحروب الداخلية، وتمويلًا للعدو الخارجي. فكيف جرى ذلك؟ وما الأرقام التي تثبته؟

أوّلًا: الثروة الهائلة — الأرقام التي تُدهش
لا يمكن فهم الجريمة إن لم نعرف أوّلًا حجم الثروة المُهدَرة. تُنتج دول مجلس التعاون الخليجي يوميًا قرابة 16 مليون برميل من النفط، وهي الأولى عالميًا في احتياطيات النفط الخام والغاز الطبيعي، فيما بلغت القيمة الإجمالية لأسواق الأسهم الخليجية نحو 4 تريليونات دولار بنهاية عام 2023 [7]. وهي ثروة لو وُزّعت على شعوب المنطقة توزيعًا عادلًا لما بقي عربيٌّ واحد تحت خطّ الفقر.
وتضمّ دول الخليج وحدها ثلث الاحتياطي العالمي من الطاقة، وتلبّي خُمس الطلب العالمي على النفط، وتنتج 444 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المسوق سنويًا [6]. غير أن هذه الأرقام الفلكية تُخفي خلفها حقيقة مؤلمة: من أين ذهبت هذه الثروات؟
ثانيًا: المال النفطي وتمويل آلة الحرب الإسرائيلية
العلاقة بين الدولار النفطي والدعم الأمريكي لإسرائيل علاقة تاريخية عضوية. فمنذ السبعينيات، جرى الترتيب "البترودولاري" الشهير: يُعاد تدوير عائدات النفط الخليجي عبر الخزينة الأمريكية، وتنال إسرائيل حصّتها الكبرى.
تُعدّ إسرائيل أكبر متلقٍّ للمساعدات الأمريكية على الإطلاق، إذ بلغت ما قدمته الولايات المتحدة لها 297 مليار دولار من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين بين عامَي 1946 و2023، في إطار مساعدات اقتصادية وعسكرية [2]. والأكثر دلالةً على هذه العلاقة هو التصاعد المطّرد في الدعم عقب كل أزمة نفطية.
بلغ مجموع المساعدات الأمريكية العسكرية لإسرائيل ما قيمته 186 مليار دولار منذ العام 1948، ويقدّر بعض الخبراء إجمالي قيمتها بعد تعديلها لمراعاة التضخم بـ310 مليارات دولار [1]. وهذا الرقم يمثّل أكثر من 55% من جميع المساعدات الأمريكية للعالم [5]. ومع كل اشتعال في غزة، تُسرَّع الدفعات؛ ففي أبريل 2024 أقرّ الكونغرس قانونًا بتقديم مساعدات عسكرية ضخمة لإسرائيل بلغت 26.4 مليار دولار، تشمل دعم أنظمة الدفاع الصاروخية والقبة الحديدية وطائرات قتالية أمريكية [3].
لا تعني هذه الأرقام أن دول الخليج تُحوّل مبلغًا بعينه لأمريكا بصكّ مباشر، لكن آليات الاقتصاد السياسي واضحة: إيداع الفوائض النفطية في السندات الأمريكية، وشراء أسلحة أمريكية مكلفة، وتدوير عائداتها نحو إسرائيل. وقد قدّر اقتصاديون أمريكيون أن الدعم الأمريكي الإجمالي للكيان الإسرائيلي كلّف دافعي الضرائب الأمريكيين قرابة 3 تريليونات دولار، وأن أكبر وعاء لامتصاص هذه التكاليف كانت أزمات احتياطي النفط المصاحبة للحروب العربية الإسرائيلية وبناء مخزون البترول الأمريكي [4].
ثالثًا: التطبيع — الطعنة التي أكملت المشهد
لم يكتفِ حكّام الخليج بالصمت عن الجرائم الإسرائيلية، بل ذهبوا إلى ما هو أبعد: التطبيع الرسمي مع الاحتلال في الوقت الذي تُدكّ فيه غزة. ففي 15 سبتمبر 2020، وُقّعت اتفاقيات التطبيع المعروفة بـ"اتفاقيات إبراهيم" في البيت الأبيض بين إسرائيل والإمارات والبحرين بوساطة أمريكية، وهي أوّل تطبيع عربي إسرائيلي علني في القرن الحادي والعشرين، ثم انضمت إليها المغرب والسودان [8].
وقد ألغت الإمارات على الفور قانون المقاطعة رقم 15 لسنة 1972 عبر مرسوم فيدرالي صدر في 16 أغسطس 2020، في اليوم ذاته الذي أُعلن فيه اتفاق التطبيع [10]. ونُظر إسرائيليًا إلى هذه الاتفاقيات باعتبارها "تحالفًا إقليميًا" عربيًا أمريكيًا إسرائيليًا، كما أنها أسقطت الفيتو الفلسطيني على أية عملية تطبيع قبل حل القضية الفلسطينية [9].
وكان ردّ الفلسطينيين الغاضبين حاسمًا في تقييم المشهد: ففي 22 سبتمبر 2020، قررت دولة فلسطين التخلّي عن رئاسة مجلس جامعة الدول العربية ردًا على موقف الأمانة العامة الداعم للإمارات والبحرين بعد تطبيعهما مع إسرائيل [13].
رابعًا: تفكيك الأمّة — النيران المشعلة في اليمن وليبيا والسودان
إن كان النفط يموّل العدوّ الخارجي، فإنه يموّل أيضًا الحروب الداخلية التي تُنهك الجسد العربي من الداخل.
في اليمن، أطلق التحالف السعودي الإماراتي حربًا مدمّرة أدّت إلى واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في التاريخ الحديث. وكشفت تحقيقات صحفية بارزة أن الإمارات دأبت على تمويل اغتيالات بدوافع سياسية في اليمن، ما ساهم في تفاقم النزاع بين الفصائل المتناحرة [12].
في ليبيا، ومنذ أكثر من عقد، تدعم أبو ظبي القوات الانفصالية أولًا في ليبيا، ثم في اليمن، ثم في السودان، ما يزيد من تفكّك العالم العربي وفق ما رصده الباحثون في العلوم السياسية [11]. وقد اتّخذت الإمارات من بنغازي مختبرًا للتعاون العسكري مع روسيا.
في السودان، شهدت العلاقات السعودية الإماراتية سنوات من التنسيق على أرضية تلاقي المصالح الاستراتيجية، تمكّن خلالها البلدان من استقدام قوات برية سودانية ضخمة لخدمة الحرب في اليمن، في حين تمدّ الإمارات قوات الدعم السريع بالدعم والتسليح [11].
هذا التدخّل في الشؤون العربية الداخلية يُفسَّر أيديولوجيًا بمحاربة الإسلام السياسي، لكنه استراتيجيًا يصبّ في خانة تفتيت الكتلة العربية وتحييدها عن القضية الفلسطينية.
خامسًا: جامعة الدول العربية — هيكل يُحاصَر بالمال الخليجي
ليست جامعة الدول العربية مستقلّة في قراراتها، وكثيرًا ما تعكس قراراتها موازين القوى المالية لا الإرادة العربية الجماعية. لقد أثبتت أحداث 2023-2024 أن المنظمة عاجزة عن اتخاذ موقف حازم من إبادة غزة، في حين سارعت بعض حكوماتها إلى تقديم ضمانات للتطبيع أو الصمت عن الجرائم.
والأدهى أن الولايات المتحدة منحت 1.338 تريليون دولار كمساعدات عسكرية واقتصادية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى عام 2024، كانت إسرائيل تستحوذ على 23% منها [5]. هذا الرقم يختزل الصورة كاملة: واشنطن الحليفة والممسوكة بضغوط اللوبي الإسرائيلي، والخليج الممسوك بالتبعية الأمنية لواشنطن، وجامعة عربية تُدار بالتمويل لا بالميثاق.
خاتمة: النفط لا يُلعن — السياسة تُلعن
النفط في ذاته لا وزر له. إنه مادة في باطن الأرض، لا هي تختار أصحابها ولا هي تقرر مصيرها. الوزر على من يملك القرار فوقها.
لو كانت دول الخليج ديمقراطيات حقيقية مسؤولة أمام شعوبها، لما ذهب الدولار النفطي إلى تمويل مجازر غزة، ولما أُشعلت النيران في اليمن وليبيا والسودان، ولما تحوّلت جامعة الدول العربية إلى هيكل يُحرّك بالمال الخليجي الموجَّه.
المسألة في جوهرها مسألة حوكمة ومساءلة وسيادة شعبية. وما لم تُكسر هذه الحلقة الجهنمية — حيث النفط يُموّل الاستبداد، والاستبداد يُموّل العدوّ — فإن الثروة ستبقى نقمةً مقنّعة بواجهات زجاجية لناطحات السحاب.
قائمة المراجع
[1] الجزيرة نت: "حصيلة عام من الدعم العسكري والاستخباراتي الأمريكي لإسرائيل"، أكتوبر 2024.
https://www.aljazeera.net/politics/2024/10/6
[2] وكالة الأناضول: "بيانات رسمية تكشف فجوة بين مساعدات واشنطن لفلسطين ولإسرائيل"، مايو 2024.
https://www.aa.com.tr/ar
[3] مركز الدراسات الاستراتيجية وتنمية القيم: "الدعم الأمريكي لإسرائيل: رسائل ودلالات وتداعيات"، مايو 2024.
https://nvdeg.org
[4] وثيقة CIA (مكتبة أبوتباد): "التكلفة الحقيقية للدعم الأمريكي لإسرائيل"، تقرير توماس ستوفار 2003.
https://www.cia.gov/library/abbottabad-compound
[5] موقع الصفر: "أكثر الدول المتلقية للمساعدات الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية"، 2024.
https://alsifr.org/top10-us-aid
[6] الجزيرة نت: "حقول الطاقة في الخليج العربي — منبع وقود العالم"، موسوعة، مارس 2026.
https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2026/3/4
[7] الشرق الأوسط: "4.4 تريليون دولار حجم صناديق الثروة السيادية لدول الخليج"، ديسمبر 2024.
https://aawsat.com
[8] الجزيرة نت: "اتفاقيات أبراهام — موجة التطبيع العربي مع إسرائيل"، موسوعة، 2024.
https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2024/6/9
[9] مؤسسة الدراسات الفلسطينية: "تحالف في مهبّ الضربة: أبراهام بين الطموح الإسرائيلي والتحفظ الخليجي".
https://www.palestine-studies.org/ar/node/1657742
[10] مؤسسة الدراسات الفلسطينية: "اتفاقيات أبراهام والنموذج الجديد للتطبيع".
https://www.palestine-studies.org/ar/node/1656260
[11] ميدل إيست ترانسبارنت: "الاستراتيجية الانفصالية لدولة الإمارات"، مايو 2025.
https://middleeasttransparent.com/ar
[12] موقع العيام: "ما دور السعودية والإمارات في اليمن؟"، ديسمبر 2025.
https://m.alayam24.com
[13] ويكيبيديا العربية: "اتفاق تطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة".
https

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...