قائمة المدونات الإلكترونية

الأحد، 7 يونيو 2026

النفط العربي: نعمة تحوّلت نقمة كيف سرقت الثروة الشعبَ بقلم: الناصر خشيني


 في خمسينيات القرن الماضي، حين انبثق النفط من باطن الصحراء العربية، حلم الناس بغدٍ مختلف. حلموا بمدارس وأرغفة ومستشفيات، بأوطان تعيش أخيرًا على ثرواتها لا على قمحٍ مستورد ومديونية متراكمة. وجزئيًا، تحقّق بعض الحلم: قامت ناطحات السحاب في الصحراء، وشُقّت الطرق في الرمال، ونبعت المياه في أرض القيظ. لكن ما خفي كان أعظم وأمرّ: فالثروة النفطية، بدلًا من أن تكون نعمةً للشعوب، صارت أداةً في يد أنظمة استبدادية، وقودًا للحروب الداخلية، وتمويلًا للعدو الخارجي. فكيف جرى ذلك؟ وما الأرقام التي تثبته؟

أوّلًا: الثروة الهائلة — الأرقام التي تُدهش
لا يمكن فهم الجريمة إن لم نعرف أوّلًا حجم الثروة المُهدَرة. تُنتج دول مجلس التعاون الخليجي يوميًا قرابة 16 مليون برميل من النفط، وهي الأولى عالميًا في احتياطيات النفط الخام والغاز الطبيعي، فيما بلغت القيمة الإجمالية لأسواق الأسهم الخليجية نحو 4 تريليونات دولار بنهاية عام 2023 [7]. وهي ثروة لو وُزّعت على شعوب المنطقة توزيعًا عادلًا لما بقي عربيٌّ واحد تحت خطّ الفقر.
وتضمّ دول الخليج وحدها ثلث الاحتياطي العالمي من الطاقة، وتلبّي خُمس الطلب العالمي على النفط، وتنتج 444 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المسوق سنويًا [6]. غير أن هذه الأرقام الفلكية تُخفي خلفها حقيقة مؤلمة: من أين ذهبت هذه الثروات؟
ثانيًا: المال النفطي وتمويل آلة الحرب الإسرائيلية
العلاقة بين الدولار النفطي والدعم الأمريكي لإسرائيل علاقة تاريخية عضوية. فمنذ السبعينيات، جرى الترتيب "البترودولاري" الشهير: يُعاد تدوير عائدات النفط الخليجي عبر الخزينة الأمريكية، وتنال إسرائيل حصّتها الكبرى.
تُعدّ إسرائيل أكبر متلقٍّ للمساعدات الأمريكية على الإطلاق، إذ بلغت ما قدمته الولايات المتحدة لها 297 مليار دولار من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين بين عامَي 1946 و2023، في إطار مساعدات اقتصادية وعسكرية [2]. والأكثر دلالةً على هذه العلاقة هو التصاعد المطّرد في الدعم عقب كل أزمة نفطية.
بلغ مجموع المساعدات الأمريكية العسكرية لإسرائيل ما قيمته 186 مليار دولار منذ العام 1948، ويقدّر بعض الخبراء إجمالي قيمتها بعد تعديلها لمراعاة التضخم بـ310 مليارات دولار [1]. وهذا الرقم يمثّل أكثر من 55% من جميع المساعدات الأمريكية للعالم [5]. ومع كل اشتعال في غزة، تُسرَّع الدفعات؛ ففي أبريل 2024 أقرّ الكونغرس قانونًا بتقديم مساعدات عسكرية ضخمة لإسرائيل بلغت 26.4 مليار دولار، تشمل دعم أنظمة الدفاع الصاروخية والقبة الحديدية وطائرات قتالية أمريكية [3].
لا تعني هذه الأرقام أن دول الخليج تُحوّل مبلغًا بعينه لأمريكا بصكّ مباشر، لكن آليات الاقتصاد السياسي واضحة: إيداع الفوائض النفطية في السندات الأمريكية، وشراء أسلحة أمريكية مكلفة، وتدوير عائداتها نحو إسرائيل. وقد قدّر اقتصاديون أمريكيون أن الدعم الأمريكي الإجمالي للكيان الإسرائيلي كلّف دافعي الضرائب الأمريكيين قرابة 3 تريليونات دولار، وأن أكبر وعاء لامتصاص هذه التكاليف كانت أزمات احتياطي النفط المصاحبة للحروب العربية الإسرائيلية وبناء مخزون البترول الأمريكي [4].
ثالثًا: التطبيع — الطعنة التي أكملت المشهد
لم يكتفِ حكّام الخليج بالصمت عن الجرائم الإسرائيلية، بل ذهبوا إلى ما هو أبعد: التطبيع الرسمي مع الاحتلال في الوقت الذي تُدكّ فيه غزة. ففي 15 سبتمبر 2020، وُقّعت اتفاقيات التطبيع المعروفة بـ"اتفاقيات إبراهيم" في البيت الأبيض بين إسرائيل والإمارات والبحرين بوساطة أمريكية، وهي أوّل تطبيع عربي إسرائيلي علني في القرن الحادي والعشرين، ثم انضمت إليها المغرب والسودان [8].
وقد ألغت الإمارات على الفور قانون المقاطعة رقم 15 لسنة 1972 عبر مرسوم فيدرالي صدر في 16 أغسطس 2020، في اليوم ذاته الذي أُعلن فيه اتفاق التطبيع [10]. ونُظر إسرائيليًا إلى هذه الاتفاقيات باعتبارها "تحالفًا إقليميًا" عربيًا أمريكيًا إسرائيليًا، كما أنها أسقطت الفيتو الفلسطيني على أية عملية تطبيع قبل حل القضية الفلسطينية [9].
وكان ردّ الفلسطينيين الغاضبين حاسمًا في تقييم المشهد: ففي 22 سبتمبر 2020، قررت دولة فلسطين التخلّي عن رئاسة مجلس جامعة الدول العربية ردًا على موقف الأمانة العامة الداعم للإمارات والبحرين بعد تطبيعهما مع إسرائيل [13].
رابعًا: تفكيك الأمّة — النيران المشعلة في اليمن وليبيا والسودان
إن كان النفط يموّل العدوّ الخارجي، فإنه يموّل أيضًا الحروب الداخلية التي تُنهك الجسد العربي من الداخل.
في اليمن، أطلق التحالف السعودي الإماراتي حربًا مدمّرة أدّت إلى واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في التاريخ الحديث. وكشفت تحقيقات صحفية بارزة أن الإمارات دأبت على تمويل اغتيالات بدوافع سياسية في اليمن، ما ساهم في تفاقم النزاع بين الفصائل المتناحرة [12].
في ليبيا، ومنذ أكثر من عقد، تدعم أبو ظبي القوات الانفصالية أولًا في ليبيا، ثم في اليمن، ثم في السودان، ما يزيد من تفكّك العالم العربي وفق ما رصده الباحثون في العلوم السياسية [11]. وقد اتّخذت الإمارات من بنغازي مختبرًا للتعاون العسكري مع روسيا.
في السودان، شهدت العلاقات السعودية الإماراتية سنوات من التنسيق على أرضية تلاقي المصالح الاستراتيجية، تمكّن خلالها البلدان من استقدام قوات برية سودانية ضخمة لخدمة الحرب في اليمن، في حين تمدّ الإمارات قوات الدعم السريع بالدعم والتسليح [11].
هذا التدخّل في الشؤون العربية الداخلية يُفسَّر أيديولوجيًا بمحاربة الإسلام السياسي، لكنه استراتيجيًا يصبّ في خانة تفتيت الكتلة العربية وتحييدها عن القضية الفلسطينية.
خامسًا: جامعة الدول العربية — هيكل يُحاصَر بالمال الخليجي
ليست جامعة الدول العربية مستقلّة في قراراتها، وكثيرًا ما تعكس قراراتها موازين القوى المالية لا الإرادة العربية الجماعية. لقد أثبتت أحداث 2023-2024 أن المنظمة عاجزة عن اتخاذ موقف حازم من إبادة غزة، في حين سارعت بعض حكوماتها إلى تقديم ضمانات للتطبيع أو الصمت عن الجرائم.
والأدهى أن الولايات المتحدة منحت 1.338 تريليون دولار كمساعدات عسكرية واقتصادية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى عام 2024، كانت إسرائيل تستحوذ على 23% منها [5]. هذا الرقم يختزل الصورة كاملة: واشنطن الحليفة والممسوكة بضغوط اللوبي الإسرائيلي، والخليج الممسوك بالتبعية الأمنية لواشنطن، وجامعة عربية تُدار بالتمويل لا بالميثاق.
خاتمة: النفط لا يُلعن — السياسة تُلعن
النفط في ذاته لا وزر له. إنه مادة في باطن الأرض، لا هي تختار أصحابها ولا هي تقرر مصيرها. الوزر على من يملك القرار فوقها.
لو كانت دول الخليج ديمقراطيات حقيقية مسؤولة أمام شعوبها، لما ذهب الدولار النفطي إلى تمويل مجازر غزة، ولما أُشعلت النيران في اليمن وليبيا والسودان، ولما تحوّلت جامعة الدول العربية إلى هيكل يُحرّك بالمال الخليجي الموجَّه.
المسألة في جوهرها مسألة حوكمة ومساءلة وسيادة شعبية. وما لم تُكسر هذه الحلقة الجهنمية — حيث النفط يُموّل الاستبداد، والاستبداد يُموّل العدوّ — فإن الثروة ستبقى نقمةً مقنّعة بواجهات زجاجية لناطحات السحاب.
قائمة المراجع
[1] الجزيرة نت: "حصيلة عام من الدعم العسكري والاستخباراتي الأمريكي لإسرائيل"، أكتوبر 2024.
https://www.aljazeera.net/politics/2024/10/6
[2] وكالة الأناضول: "بيانات رسمية تكشف فجوة بين مساعدات واشنطن لفلسطين ولإسرائيل"، مايو 2024.
https://www.aa.com.tr/ar
[3] مركز الدراسات الاستراتيجية وتنمية القيم: "الدعم الأمريكي لإسرائيل: رسائل ودلالات وتداعيات"، مايو 2024.
https://nvdeg.org
[4] وثيقة CIA (مكتبة أبوتباد): "التكلفة الحقيقية للدعم الأمريكي لإسرائيل"، تقرير توماس ستوفار 2003.
https://www.cia.gov/library/abbottabad-compound
[5] موقع الصفر: "أكثر الدول المتلقية للمساعدات الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية"، 2024.
https://alsifr.org/top10-us-aid
[6] الجزيرة نت: "حقول الطاقة في الخليج العربي — منبع وقود العالم"، موسوعة، مارس 2026.
https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2026/3/4
[7] الشرق الأوسط: "4.4 تريليون دولار حجم صناديق الثروة السيادية لدول الخليج"، ديسمبر 2024.
https://aawsat.com
[8] الجزيرة نت: "اتفاقيات أبراهام — موجة التطبيع العربي مع إسرائيل"، موسوعة، 2024.
https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2024/6/9
[9] مؤسسة الدراسات الفلسطينية: "تحالف في مهبّ الضربة: أبراهام بين الطموح الإسرائيلي والتحفظ الخليجي".
https://www.palestine-studies.org/ar/node/1657742
[10] مؤسسة الدراسات الفلسطينية: "اتفاقيات أبراهام والنموذج الجديد للتطبيع".
https://www.palestine-studies.org/ar/node/1656260
[11] ميدل إيست ترانسبارنت: "الاستراتيجية الانفصالية لدولة الإمارات"، مايو 2025.
https://middleeasttransparent.com/ar
[12] موقع العيام: "ما دور السعودية والإمارات في اليمن؟"، ديسمبر 2025.
https://m.alayam24.com
[13] ويكيبيديا العربية: "اتفاق تطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة".
https

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

توظيف الدين وتزوير التراث: قراءة نقدية في ظاهرة الفتوى السلطانية بقلم الناصر خشيني

مدخل: التراث بين التقديس والنقد حين نُقبل على التراث الفكري والديني الذي خلّفه لنا الأوائل، تستوقفنا ظاهرة لافتة تتمثل في اختلاط الجيّد بالر...