التخطي إلى المحتوى الرئيسي

هل يقرأ عشّاق البخاري كتابَه الصحيح بعقلانيّة؟ دراسة نقدية هل يقرأ عشّاق البخاري كتابَه الصحيح بعقلانيّة؟ دراسة نقدية في تشويه صورة النبي والروايات المتناقضة في الصحيح الناصر خشيني | كاتب وصحفي ومحلل سياسي ـ نابل، تونس | 2026

 


هل يقرأ عشّاق البخاري كتابَه الصحيح بعقلانيّة؟

دراسة نقدية هل يقرأ عشّاق البخاري كتابَه الصحيح بعقلانيّة؟


دراسة نقدية في تشويه صورة النبي والروايات المتناقضة في الصحيح


الناصر خشيني | كاتب وصحفي ومحلل سياسي ـ نابل، تونس | ديسمبر 2024


مدخل: مكانة البخاري في الوعي الإسلامي التقليدي


يُعدّ كتاب الجامع الصحيح للإمام محمد بن إسماعيل البخاري (194 ـ 256 هـ) في نظر جمهور أهل السنة والجماعة أصحَّ كتاب ألِّف في علم الحديث النبوي، بل ذهب كثير من العلماء إلى أنه يحتلّ المرتبة الثانية بعد القرآن الكريم في مصادر التشريع الإسلامي.[1] وقد وجد هذا الكتاب من يدافع عنه بالحجة والتأويل حتى غدا مسّه بأدنى نقد أمراً جسيماً. بيد أن التمحيص العلمي الرصين يفرض علينا إعمال العقل ومعيار الاتساق الداخلي في قراءة هذا الموروث، لا سيما حين نكتشف أن الصحيح يحتوي على روايات تُشوّه صورة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وتتناقض مع ما يرسمه القرآن الكريم من مكانة نبوية رفيعة.


أولاً: البخاري ـ حافظة أسطورية تستوجب مساءلة أعمق


لا ينازع أحد في أن البخاري بلغ من الحفظ والدقة مبلغاً استثنائياً، إذ أفادت المصادر التراثية بأنه استوعب ما يزيد على ستمائة ألف حديث بأسانيدها.[2] والأشهر في سيرته قصة اختبار بغداد حين قلب له المحدثون مائة حديث خلطوا أسانيدها بمتونها، فردّ كل متن إلى إسناده بدقة لا تخطئ.[3] بيد أن هذه القدرة الخارقة بالذات هي التي تستدعي السؤال: كيف أفلت من هذه الذاكرة المتناهية الدقة ما نجده من تناقضات صريحة وروايات تتعارض مع صريح القرآن؟


ثانياً: التناقض العددي في قصة النبي سليمان ـ أربع روايات لحادثة واحدة


يروي البخاري قصة النبي سليمان عليه السلام في أربعة مواضع تتباين فيها أعداد النساء عن الراوي ذاته أبي هريرة:[4]


ح 7469: ستون امرأة | ح 3424: سبعون (مع تصحيح بتسعين) | ح 6639: تسعون امرأة | ح 5242: مائة امرأة


إن هذا التضارب الصريح في الكتاب ذاته عن الراوي ذاته في الحادثة ذاتها يطرح إشكالية منهجية لا يمكن تجاوزها بالتأويل.[5] فضلاً عن أن الأرقام المتصاعدة تجعل من سليمان عليه السلام قوةً جنسية تتجاوز الطاقة البشرية الممكنة، وهو ما لا يستقيم مع مقام النبوة.


ثالثاً: تشويه صورة النبي محمد في روايات الصحيح


1 ـ إسناد شبق جنسي خارق للعادة


يروي البخاري عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه التسع في ليلة واحدة بغسل واحد (ح 5068).[6] وتوسّع الطبراني في روايات تُثبت له قوة ثلاثين رجلاً أو أربعين في الجماع.[7] إن هذا التصوير يُحيل النبيَّ إلى نموذج ملوك عصر التدوين المتنافسين في اتخاذ الحظايا، لا إلى النبي الذي وصفه الله بالخلق العظيم. وتلك الأرقام تتجاوز الممكن البيولوجي وتدخل في نطاق الأسطورة.


2 ـ رواية تسحير النبي


أورد البخاري في كتاب الطب (ح 5765) أن لبيد بن الأعصم سحر النبيَّ صلى الله عليه وسلم فكان يُخيَّل إليه أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، واستمر أثر السحر حتى أنزل الله المعوّذتين.[8] وهذه الرواية تُشكّل خطراً عقدياً بالغاً إذ تنسب إلى نبي الله فقدان السيطرة على إدراكه، في حين يُقرر القرآن: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة: 67).[9] وقد رأى العلماء العقلانيون أن الإذعان لهذه الرواية يفتح باباً للطعن في صحة الوحي ذاته.


3 ـ رواية وفاة النبي ودرعه مرهونة عند يهودي


يروي البخاري (ح 2916) أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي ودرعه مرهونة عند يهودي من أجل طعام اشتراه لأهله.[10] وتطرح هذه الرواية تساؤلات جوهرية: كيف يعجز سيد المسلمين وقائدهم بعد فتح خيبر عن الإنفاق على أهله دون رهن سلاحه عند أحد؟ والرواية تجعل آخر لحظات النبي مشهداً من مشاهد العَوَز، وهو ما يُراد منه ما يُراد.


4 ـ رواية المرأة التي كانت تُفلي قمل رأس النبي


وردت في بعض طرق الصحيح وشروحه روايات تذكر امرأة كانت تُفلي القمل من رأس النبي صلى الله عليه وسلم.[11] ويَبعد كل البعد أن يكون الرسول الذي كان يُعنى بالنظافة والطهارة عناية بالغة مصاباً بالقمل. وتلك الروايات وقعت في الشطط وتجاوزت الإنسانية المقبولة إلى ما فيه مسٌّ بالكرامة النبوية.


5 ـ روايات المعجزات المادية المتعارضة مع المنهج القرآني


يحفل الصحيح بروايات تصف تكليم النبي للحيوانات وتكثير الطعام القليل لجماعة كبيرة بأرقام متباينة بين الروايات.[12] وهذا يتعارض مع المنهج القرآني الذي يرفض فيه النبي اقتراح معجزات حسية: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ (الأعراف: 188).[13] ومعجزة النبي الكبرى كانت القرآن العقل لا الخارقة الحسية.


رابعاً: القرآن الكريم ـ مرجعية مغايرة لصورة الأنبياء


في مقابل تلك الصورة المُشوَّهة، يقدّم القرآن تصويراً مختلفاً جذرياً: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: 4).[14] ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة: 24).[15] ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ (الأنبياء: 73).[16]


بهذا الإطار القرآني، تغدو الروايات التي تُنسب إلى النبي شبقاً جنسياً خارقاً أو تأثراً بالسحر أو إصابةً بالقمل روايات لا تُعبّر عن أمانة نقل، بل تكشف عن سياق أيديولوجي يُقلّص البُعد الروحي والعقلاني للرسالة النبوية.


خامساً: السياق التاريخي ـ علاقة البخاري بسلطة المتوكل العباسي


لا يمكن قراءة منهج البخاري بمعزل عن سياقه السياسي. فالخليفة المتوكل على الله (ت 247هـ) أصدر مراسيم تُغلق الجدل الكلامي وتُنهي مشروع المعتزلة والفرق العقلانية، وأطلق يد أهل الحديث في تشكيل العقل الإسلامي.[17] وهو الخليفة الذي جمع في قصوره أعداداً ضخمة من الجواري، وكان مُولَعاً بالخمر والمُلاهي، وانتهى به المطاف أن قتله ابنه طمعاً في السلطة.[18] إن تعظيم القدرة الجنسية للأنبياء في روايات الصحيح يُضفي شرعيةً دينية على ما كان يمارسه الخلفاء، وتغييب المعتزلة أفضى إلى اختزال الإسلام في الرواية دون العقل.


خاتمة: من أجل قراءة نقدية تجمع التوقير والعقلانية


لا تهدف هذه الدراسة إلى تجريح البخاري أو إسقاط مجهود العلماء الأوائل. غير أن التوقير لا يساوي التقديس، والتقديس لا يعني إسقاط الرقابة العقلية. إن الصحيح يحمل تناقضات عددية صريحة وروايات تُشوّه صورة النبي جنسياً وتنسب إليه السحر والقمل، ومعجزات تتعارض مع المنهج القرآني. وكل ذلك يستوجب وقفة نقدية علمية لا عاطفية، حكمها القرآن الكريم وصريح العقل لا سطوة النقل وحده.


الهوامش والمراجع (1 ـ 18)


[1] البخاري، الجامع الصحيح، دار طوق النجاة، 1422هـ. والنووي، شرح مسلم، 1392هـ، المقدمة.


[2] ابن حجر، هدي الساري، دار المعرفة، 1379هـ، ص8.


[3] الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، دار الغرب الإسلامي، 2002م، ج2، ص322.


[4] ابن حجر، فتح الباري، ج1، ترجمة أبي هريرة.


[5] ابن حجر، فتح الباري، كتاب الأنبياء، باب سليمان.


[6] صحيح البخاري، كتاب النكاح، ح 5068.


[7] الطبراني، المعجم الكبير، ج20، ص222.


[8] صحيح البخاري، كتاب الطب، ح 5765 ـ 5766.


[9] القرآن الكريم، المائدة: 67. والزمخشري، الكشاف، ج1، ص658.


[10] صحيح البخاري، كتاب الرهن، ح 2916.


[11] ابن حجر، فتح الباري، كتاب المغازي.


[12] صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة.


[13] القرآن الكريم، الأعراف: 188.


[14] القرآن الكريم، القلم: 4.


[15] القرآن الكريم، السجدة: 24.


[16] القرآن الكريم، الأنبياء: 73.


[17] نصر حامد أبو زيد، الاتجاه العقلي في التفسير، دار التنوير، 1982م، ص47 ـ 65.


[18] الطبري، تاريخ الأمم، ج9، أحداث 247هـ



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...