التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأفروسنتريك .. سرقة للحضارة وخطورة على الأمن القومي تقرير – كريمة الروبي







أثار فيلم "أسد" بطولة محمد رمضان موجة من الجدل حول علاقته بحركة "الأفروسنتريك" حيث يتهم البعض الفيلم بدعمه رواية الأفروسنتريك وهو ما نفاه مخرج الفيلم "محمد دياب" مؤكداً بأن الفيلم لا يدعم هذه الرواية بل على العكس يؤكد أن العبيد في الفيلم تم جلبهم من أفريقيا وهو ما ينسف هذا الإدعاء.

وسبق أن ثار جدل مماثل قبل نحو ثلاث سنوات، عند عرض المسلسل الوثائقي "كليوباترا" على "نتفليكس"، والذي يتبنى زعم مارتن برنال "أثينا السوداء" أن للحضارة الإغريقية أصلاً مصرياً زنجياً. ومن ثم ظهرت الملكة كليوباترا (أدت دورها الممثلة السمراء أديل جيمس) في المسلسل الوثائقي ذاك، سوداء البشرة وشعر مجعد، مع أنها من أصل مقدوني.

وقد اتهم مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي في مصر، المنصة العالمية بتشويه وتزوير المعطيات التاريخية الثابتة، واعتبر البعض أنها تحاول طمس الهوية الفرعونية المصرية.. فما هي حركة الأفروسنتريك؟

ما هي حركة الأفروسنتريك؟

تأسست الأفروسنتريك أو "الحركة المركزية الإفريقية " على يد الناشط الأميركي الإفريقي الأصل موليفي أسانتي في فترة الثمانينيات، من أجل تنمية الوعي حول الثقافة الإفريقية عبر التاريخ، وتسليط الضوء حول تلك الهوية وأهميتها لاسيما في الولايات المتحدة وأوروبا.

كما تحاول نشر الوعي حول كيفية هيمنة الأوروبيين على حضارة الأفارقة، عبر الاستعمار والعبودية. وتحث كل إفريقي أو متحدر من أصول إفريقية على تقدير أصوله وتنمية وعيه ومعرفته بالحضارات الإفريقية التقليدية.

وقد نشأت الحركة بين الأمريكيين من أصل أفريقي كرد فعل لمعاناة العبودية والتهميش، وسرعان ما تحولت إلى أيديولوجية تدعي أن الحضارة الفرعونية حضارة "زنجية"، وتنفي انتماء الشعب المصري إليها، وتطالب بحقوق سياسية وقانونية زائفة ضد الدولة المصرية.

وقد كشفت دراسة علمية حديثة صادرة عن معهد التخطيط القومي بمصر عام 2024، تحت عنوان "حركة الأفروسنتريك وتأثيراتها المستقبلية على مصر.. والسيناريوهات المتوقعة والسياسات الممكنة لدعم صانع القرار"، عن تحرك منظم ومنسق يهدف إلى سرقة الحضارة المصرية القديمة وتزييف هويتها، وسط دعم دولي متزايد.

أدوات التزييف والتأثير

وفقاً لهذه الدراسة فإن الحركة لا تقتصر على الدعوات الفكرية، بل أنشأت شبكة دولية عابرة للحدود تضم جامعات وكراسي أكاديمية مثل جامعة تمبل (تأسست أول برنامج دكتوراه في الدراسات الأمريكية الأفريقية) وجامعة هوارد.

كذلك استغلال المتاحف لعرض وجهة نظر مغلوطة مثل المتحف الوطني بهولندا الذي عرض قناع توت عنخ آمون بملامح زنجية.

كما قامت بإنتاج أفلام ومسلسلات وثائقية، أبرزها فيلم "كليوباترا" على نتفلكس، الذي أثار غضبًا مصريًا رسميًا وشعبيًا. كذلك الاستعانة بموسيقى الراب والهيب هوب كأداة لنشر السردية بين الشباب.

ولم تكتف بكل هذه الأدوات الفنية والإعلامية بل قامت بإنشاء شركات اقتصادية كبرى مثل مجموعة AfroCentric التي تعمل في 14 دولة أفريقية بمجال الصحة والتأمين.

تفنيد علمي للادعاءات

اعتمدت الدراسة على تحليلات جينية وتاريخية وأنثروبولوجية، وأثبتت أن كلمة "كمت" في اللغة المصرية القديمة تعني "الأرض السوداء" نسبة لخصوبة التربة، وليس لون البشر.

كما أن الدراسات الجينية قد أظهرت تجانسًا بنسبة 97.66% بين المصريين، وأن مصر كانت ولا تزال بوتقة انصهار الجينات وليست "زنجية" بالمفهوم الأفريقي لسكان جنوب الصحراء.

وقد ترك الملك سنوسرت الثالث نصوصًا تؤكد محاربته لـ"السود" كقبائل جنوبية، مما ينفي أن يكون المصريون القدماء من نفس الأصل. أما الملكة كليوباترا فقد كانت مقدونية الملامح، وليس لها علاقة بالملامح الزنجية.

مخاطر مستقبلية

وفقاً للدراسة فإن خطورة الحركة لا تقتصر على التشويه التاريخي، بل تمتد إلى مخاطر أمنية وسياسية مثل توظيف مفاهيم "الشعوب الأصلية" و"حق العودة" و"تعويضات مالية" ضد مصر. وتأجيج ملف النوبة ومحاولة فصلها أو جعلها رافعة لمطالب سياسية.

كما أنها تتزامن مع مخططات إقليمية (إسرائيل – إثيوبيا) تستخدم يهود الفلاشا وروايات زائفة عن أصول الحضارة المصرية.

سيناريوهات متوقعة

وقد توقعت الدراسة أربعة سيناريوهات:

1- بقاء الوضع: استمرار الحركة دون مواجهة فعالة.

2- سيناريو تشاؤمي: تبني الولايات المتحدة رسميًا مطالب الحركة كورقة ضغط على مصر.

3- سيناريو كارثي: تحرك إثيوبيا وإسرائيل لدعم الانفصال النوبي وتقليص حصة مصر من المياه.

4- السيناريو المرغوب: مواجهة استباقية عبر سياسات وطنية متكاملة.

ودعت الدراسة إلى إنشاء استراتيجية قومية لمجابهة الحركة. وتوظيف أدواتها نفسها (الدراما، الموسيقى، المتاحف، وسائل التواصل) لنشر السردية المصرية الصحيحة. وتشكيل مرصد دائم بمجلس الوزراء لمتابعة أنشطة الحركة عالميًا. كذلك دعت إلى التحرك دبلوماسيًا داخل الاتحاد الأفريقي لمراجعة تعريف "المواطن الأفريقي" القائم على الأصل العرقي فقط.

هذا وقد أكدت الدراسة أن حركة الأفروسنتريك ليست مجرد أطروحات أكاديمية، بل مشروع سياسي واقتصادي وثقافي منظم، يتطلب يقظة واستعدادًا على جميع المستويات.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...