التخطي إلى المحتوى الرئيسي

جدل الإنسان: منهج لثورة الوعي وتغيير الواقع بقلم: الناصر خشيني


   ان البحث في حركة التاريخ وقوانين تطور المجتمعات يضعنا دائماً أمام مواجهة فكرية مع النظريات الجبرية التي حاولت سلب الإنسان إرادته وفاعليته. ومن هنا، يبرز مشروع المفكر العروبي الراحل الدكتور عصمت سيف الدولة كواحد من أهم المشاريع الفكرية التي أعادت صياغة مفهوم "الجدل" ليكون إنسانياً خالصاً، وهو ما نلتقي معه في رؤيتنا المنهجية التي تسعى لتحويل الأفكار والقيم إلى طاقة عمل ملموسة قادرة على النهوض بالواقع وتحرير الذات العربية.
أولاً: تهافت الجبريات ومركزية الإنسان
لقد تأسست المناهج الفلسفية التقليدية على قطبين عاجزين عن تفسير التحرر الإنساني الكامل:
  1. الجدلية المثالية (الهيجلية): التي أعادت التطور الاجتماعي إلى الفكر المجرد المطلق، وجعلت الإنسان مجرد أداة لتجسيد هذا الفكر.
  2. الجدلية المادية (الماركسية): التي جعلت المادة هي الأصل والمحرك الأساسي للتاريخ، فسقطت في فخ الحتمية الاقتصادية والجبرية المادية التي تلغي دور الإرادة الحرة.
في مقابل ذلك، جاء منهج "جدل الإنسان" ليعلن أن الإنسان ليس نتاجاً سلبياً للمادة ولا مجرد صدى لفكر مجرد، بل هو الصانع الحقيقي للتاريخ والمحور الأساسي والغاية الأسمى لكل تطور اجتماعي.
ثانياً: التأصيل القرآني لجدل الإنسان
إن ما طرحه عصمت سيف الدولة كقاعدة لنظرية الثورة العربية، يجد امتداده الطبيعي والتأصيلي في القراءة الواعية للقرآن الكريم. فالقرآن قد كرم الإنسان وجعله الكائن الجدلي الوحيد المكلف بالخلافة وإعمار الأرض، كما جاء في محكم التنزيل: {وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} (الكهف: 54).
هذا الجدل القرآني ليس مجرد ترف فكري أو حذلقة لغوية، بل هو حقيقة تكوينية تقوم على:
  • الجدل الفردي: وهو الصراع الداخلي الدائم في ذات الإنسان بين قيم الخير والشر، والسمو والانحطاط، والوعي والجهل، وهو أساس تشكّل الإرادة الحرة وتزكية النفس.
  • الجدل الاجتماعي: وهو حركة التفاعل والتضاد بين الإرادات الفردية داخل المجتمع، والتي يتولد عنها قانون تطور المجتمعات وسعيها الدائم نحو الحرية والعدالة والاشتراكية بمفهومها الإنساني.
ثالثاً: الحرية أولاً والجدل كمنهج عملي
لقد برهن عصمت سيف الدولة في كتابه العمدة "أسس الاشتراكية العربية" على أن تقدم الإنسان لا يسير على وتيرة واحدة؛ فبفضل الوعي والحرية أصبح الإنسان يحل في شهور معدودة ما كان يعجز عن حله في قرون طويلة. ولذلك، فإن "جدل الإنسان" ليس مجرد مقولة فلسفية تُدرس في قاعات الجامعات، بل هو منهج عملي لتغيير الواقع.
إن القيمة الحقيقية لهذا المنهج تكمن في قدرته على تحويل القيم الأخلاقية والنظرية إلى "طاقة عملية ملموسة" تفكك قيود الاستبداد والتبعية. فلا يمكن بناء مجتمع حر بأفراد مسلوبي الإرادة، ومن هنا كانت "الحرية أولاً" هي المبتدأ والمنتهى.
خاتمة
إن دمج الرؤية الفلسفية لـ "جدل الإنسان" بوعينا الرسالي والقرآني يمنح الأمة دليلاً نظرياً حاسماً لخوض معركة التحرر. إننا لا نواجه الواقع بالاستسلام للحتميات، بل بالمراهنة على وعي الإنسان وقدرته على الفعل والتغيير، مستندين إلى حقيقة أن الإنسان كائن جدلي، حر، ومسؤول عن صياغة مصيره وصناعة تاريخه.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...