التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاستسلام الأمريكي الكبير: إيران ترسم ملامح العالم الجديد- بقلم: الناصر خشيني




تتسارع الأحداث في منطقة الشرق الأوسط لترسم ملامح نظام عالمي جديد، لم تعد فيه الولايات المتحدة تلك القوة التي تملي شروطها دون رادع. اليوم، نجد أنفسنا أمام مشهد كان بالأمس القريب ضرباً من الخيال: واشنطن، بكل ثقلها العسكري والدبلوماسي، تبدو وكأنها ترفع “الراية البيضاء” أمام الثبات الإيراني، لتقبل بالشروط التي وضعتها طهران لإعادة صياغة قواعد اللعبة الدولية.

سقوط الهيمنة وتراجع القطبية

إن قبول أمريكا بالشروط الإيرانية ليس مجرد تراجع تكتيكي، بل هو اعتراف ضمني بفشل سياسة “الضغوط القصوى” وانحسار القدرة الأمريكية على التأثير المباشر. هذا الاستسلام المعلن يؤسس لتحولات جيوستراتيجية عميقة؛ فكل خطوة تتراجعها واشنطن، تتقدم في مقابلها قوى صاعدة تتربص بكرسي القيادة العالمية، مما يعلن رسمياً نهاية “القرن الأمريكي” وبداية عصر التعددية القطبية، حيث تبرز الصين كبديل اقتصادي وضامن سياسي، وتتقدم روسيا كلاعب عسكري واستراتيجي لا يمكن تجاوزه.

تصدع “عرش الدولار” وحرب العملات

ولم يكن هذا الاستسلام سياسياً فحسب، بل هو اعتراف بتآكل أقوى أسلحة واشنطن: “سلاح العقوبات المالية”. لقد أثبتت طهران، مدعومةً بحلفاء استراتيجيين، أن الهيمنة الأحادية للدولار بدأت بالانهيار. نشهد اليوم تحولاً جذرياً حيث باتت إيران وروسيا والصين تدير تجارتها البينية بالعملات المحلية (الريال، الروبل، واليوان)، متجاوزةً نظام “سويفت” الذي طالما استُخدم كمقصلة اقتصادية ضد الشعوب المتمردة. هذا المسار في “إلغاء الدولرة” (De-dollarization) يسحب البساط من تحت أقدام الاقتصاد الأمريكي القائم على الديون المطبوعة، ويمنع واشنطن من تصدير تضخمها للعالم، ويسقط “بترودولار” الشرق الأوسط، مما ينهي عصر الابتزاز المالي الدولي.

التمدد الإيراني وانكفاء “إسرائيل”

على الصعيد الإقليمي، يفتح هذا الاستسلام الباب على مصراعيه لتمدد إيراني غير مسبوق كقوة إقليمية مهيمنة صمدت لعقود تحت الحصار. هذا المشهد يضع مشروع “إسرائيل” في مأزق وجودي؛ فمع انكفاء الدعم الأمريكي المطلق وانشغال واشنطن بأزماتها الداخلية، يجد الكيان الصهيوني نفسه أمام عزلة جغرافية وسياسية. إن القوة العسكرية للكيان لا يمكنها الصمود طويلاً دون الشريان المالي والسياسي الأمريكي الذي بدأ يضيق، مما يعزز فرضية انكفائه التام، وربما بداية مسار زواله التاريخي مع تغير موازين القوى الردعية في المنطقة.

خلاصة القول

نحن أمام زلزال جيوستراتيجي أعيدت فيه كتابة التاريخ بمداد إيراني وصبر استراتيجي. إن قبول واشنطن بالشروط الإيرانية هو المسمار الأخير في نعش القطبية الواحدة، وإعلان عن ولادة نظام عالمي جديد تتوزع فيه الثروة والقرار بين أقطاب تحترم سيادة الدول، وتتعامل بعملات تعكس القيمة الحقيقية للإنتاج لا سطوة الأساطيل؛ لتكتفي أمريكا بدور المتفرج بعد أن كانت المخرج والمنتج.

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...