التخطي إلى المحتوى الرئيسي

زيت الزيتون التونسي: ذهب أخضر يُصدَّر خاماً ويُهدر وطنياً بقلم: الناصر خشيني






مدخل
مئة مليون شجرة زيتون تتناثر على امتداد الأرض التونسية من الشمال إلى الجنوب، تحمل في أغصانها ثروة حقيقية وميزة تنافسية نادرة على المستوى العالمي. غير أن هذا الذهب الأخضر يُصدَّر في غالبيته سائلاً خاماً في صهاريج ضخمة، فيجني الطرف الأجنبي المستورد القيمة المضافة الحقيقية من تعليبه وتسويقه تحت علامات تجارية أوروبية بأثمان مضاعفة، بينما يبقى الفلاح التونسي الذي روى هذه الأشجار بعرقه ووقته رهين شبكة وسطاء وتجار يحتكرون التسعير والتخزين والتصدير. هذه هي فضيحة القطاع بعينها.
أولاً: تونس... قوة عالمية تفرّط في قيمتها المضافة
الأرقام تُجلّي حجم الثروة التي تمتلكها تونس وحجم ما تخسره في آنٍ واحد.
احتلت تونس المرتبة الثانية عالمياً في إنتاج زيت الزيتون لموسم 2024-2025 بعد إسبانيا، بإنتاج بلغ 340 ألف طن، في حين يبلغ الإنتاج العالمي نحو 3 ملايين طن.  (Babnet Tunisie) والمعدل السنوي لإنتاج تونس خلال الفترة 2014-2024 يناهز 220 ألف طن، وتُعدّ تونس الأولى عالمياً في إنتاج الزيت البيولوجي الخالي من المواد الكيميائية وتصديره.  (As-Safir Al-Arabi)
وقد صدّرت تونس في موسم 2023-2024 ما يقارب 195 ألف طن بقيمة 5162 مليون دينار إلى أكثر من 60 دولة، محققةً زيادة في العائدات بنسبة 51% مقارنة بالموسم السابق.  (Al-Chourouk)
لكن خلف هذه الأرقام البراقة يكمن العيب الهيكلي الأكبر: تصدير الزيت الخام يُعدّ خسارة على مستوى قيمة الصادرات، إذ يُستفاد منها بالخارج عبر تكريره وتعليبه وترويجه بالأسواق العالمية.  (Ministère des Finances) والأوروبي يشتري الزيت التونسي الخام ليُعبّئه تحت علامات تجارية إيطالية أو إسبانية أو فرنسية ويبيعه بأضعاف ما دفعه، وتبقى تونس مجرد موردة للمادة الأولية.
ثانياً: احتكار الكبار وتهميش الصغار
يتسم سوق الزيت في تونس بممارسات احتكارية فادحة: شركة خاصة واحدة تحتكر تصدير 20% من إجمالي الزيت الموجه للخارج وقرابة 55% من الكميات المعلّبة.  (As-Safir Al-Arabi) وأشار المجلس الدولي للزيتون إلى أن 10 مؤسسات فقط من بين 100 مؤسسة تونسية تعمل في التصدير تسيطر على 70% من إجمالي الصادرات و69% من أرباحها.  (Legal Agenda)
وقد كشفت قضية أعادت رسم مشهد القطاع بأسره حدّة هذا الاحتكار. فقد كُشِف عن قضية احتيال بقيمة 170 مليون يورو من قبل رئيس مجموعة "CHO"، أكبر مصدّر لزيت الزيتون في تونس، مما أدى إلى خسائر فادحة أثرت على الاقتصاد التونسي، وقدّر الخبراء أن هذه الأزمة قد تؤدي إلى خسائر تتراوح بين 8 و10% من عائدات تصدير زيت الزيتون.  (Erem Business) وقد جرى إيقاف أكبر الفاعلين في القطاع بالتزامن مع انطلاق موسم جني 2024-2025.  (Legal Agenda)
هذه ليست قضية فرد شاذ، بل هي انعكاس لمنظومة سعت سنوات إلى تركيز القطاع في أيدي قلة، بعد أن أُنهي في 1995 احتكار الديوان الوطني للزيت وتراجع دور الدولة في التسعير والتخزين لصالح الفاعلين الخواص.  (As-Safir Al-Arabi)
ثالثاً: الفلاح... آخر من يجني ثمار شجرته
في مفارقة مؤلمة، يبقى الفلاح التونسي، الذي يُشكّل العمود الفقري للقطاع، حلقته الأضعف والأكثر هشاشة. يصف الفلاح حسن البعلي وضعه بقوله إن الأسعار خذلته ولن يتمكن من تغطية تكاليف الإنتاج، مشيراً إلى اعتماده الكامل على عائدات الزيتون لسداد ديونه وتغطية نفقات عائلته. دون خيار، باع محصوله بدينار واحد للكيلوغرام في حين كان يبيعه في الموسم الماضي بثلاثة دنانير.  (Al Jazeera)
وقد دفع تراجع الأسعار عشرات الفلاحين في مناطق عدة إلى وقف عمليات الجني أو تأجيلها، مؤكدين أن الأسعار لا تغطي مصاريف الإنتاج وتكاليف اليد العاملة.  (Ultra Tunisia) وتكاليف اليد العاملة هذه ليست وهماً: فيد العمل شحيحة في موسم الجني، والعمال يُطالبون بأجور لا تُطيقها الحسابات الهزيلة للفلاح الصغير.
وفي تحذير بالغ الدلالة، أشار رئيس نقابة الفلاحين إلى أن الزياتين زراعات موسمية محددة بأجل يتراوح بين 90 و120 يوماً، ولا يمكن تأخير الجني أبعد من ذلك، وأن التأخير له عواقب وخيمة قد تؤثر على الموسم القادم.  (Sarabic) وهكذا يجد الفلاح نفسه بين خيارين كلاهما مر: بيع بخسارة أو مشاهدة محصوله يتلف على الأشجار.
رابعاً: التعليب... الحل الذي يتعثر
تشير الأرقام إلى أن الكميات المصدرة من الزيت المعلب ارتفعت بنسبة 46% في موسم 2023-2024  (Al-Chourouk) ، وهو مؤشر إيجابي لا يجب التقليل من شأنه. غير أنه يبقى ضئيلاً قياساً بحجم الإنتاج الكلي.
أقرّت الحكومة بأن تصدير الزيت الخام خسارة، وضمّن مشروع قانون المالية لسنة 2024 الترفيع في معلوم الزيت المصدَّر غير المعلب، وذلك لحثّ المصدرين على خلق القيمة المضافة عبر التكرير في مرحلة أولى والتعليب في مرحلة ثانية.  (Ministère des Finances)
لكن الإقرار بالمشكلة شيء ومعالجتها شيء آخر. المنظومة الضريبية وحدها لا تُحوّل قطاعاً بنيوياً يعتاش الكبار فيه على تصدير الخام.
خامساً: الحلول... من الميدان لا من المكاتب
أولاً: فرض نسبة دنيا للتعليب في الصادرات. لا يكفي التحفيز المالي، المطلوب قرار سياسي جريء يُلزم المصدّرين بتعليب نسبة متصاعدة من صادراتهم، يُرفع سقفها تدريجياً حتى يصبح تصدير الزيت الخام استثناءً لا قاعدة.
ثانياً: كسر الاحتكار وتعزيز المنافسة. المنافسة الحقيقية في قطاع التعليب والتصدير تبدأ بفتح الباب أمام المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ودعمها بقروض ميسّرة ومرافقة تقنية، بدلاً من ترك السوق لعشرة مؤسسات تلتهم كل شيء.
ثالثاً: دعم الفلاح في موسم الجني. إنشاء منظومة وطنية لتأمين اليد العاملة في أوقات الذروة، وتسهيل الحصول على الآليات الميكانيكية لجمع الصابة، ودعم تعاونيات الفلاحين حتى يتمكنوا من التفاوض الجماعي بدلاً من البيع فرادى لوسطاء يستغلون حاجتهم للسيولة.
رابعاً: تطوير العلامة التونسية عالمياً. زيت الزيتون التونسي البيولوجي هو الأول عالمياً في نوعه. هذه ميزة استثنائية تستحق برنامجاً وطنياً للترويج والتسويق بالأسواق العالمية تحت علامة تجارية تونسية قوية، لا أن يُباع أفضل زيت في العالم بلا هوية ثم يُعاد بيعه باسم غيرنا.
خامساً: سعر أدنى مضمون للفلاح. آلية تدخل ديوان الزيت مهمة لكنها غير كافية. الديوان الوطني للزيت لم يتدخل بالكيفية المطلوبة لمواكبة وفرة الموسم وامتصاص الفائض.  (Sarabic) يجب وضع منظومة سعر أدنى مضمون يحمي الفلاح من الانهيار عند كل موسم وفير.
خاتمة
تونس تمتلك 100 مليون شجرة زيتون وتحتل المرتبة الثانية عالمياً في الإنتاج، وتنتج الأجود بيولوجياً على وجه الأرض. ومع ذلك يبيع فلاحها كيلوغرام الزيتون بدينار في حين يباع مُعلَّباً في أوروبا بعشرة أضعاف. هذا ليس قدراً، بل هو نتيجة حتمية لسياسة فلاحية تفرّط في القيمة المضافة ولمنظومة احتكارية تحصن مصالحها بكل الوسائل. الإصلاح الحقيقي لهذا القطاع لن يأتي من بيانات حكومية براقة، بل من كسر الاحتكار وتمكين الفلاح وإلزام المصدّر بخلق القيمة على أرض تونس لا في مصانع جنوب أوروبا.
المراجع والمصادر
موقع الترا تونس، "تراجع أسعار الزيت يدفع الفلاحين إلى تأجيل جني الزيتون"، نوفمبر 2024.
الجزيرة نت، "أسعار زيت الزيتون تشعل أزمة في تونس: فرحة للمواطنين ونقمة على الفلاحين"، ديسمبر 2024.
موقع السفير العربي، "زيت الزيتون في تونس: وفرة في الإنتاج ولكن"، ديسمبر 2025.
موقع Legal Agenda، "إنتاج زيت الزيتون في تونس: مأزق التصدير وعجز الدولة"، أبريل 2025.
موقع إرم بزنس، "قضية احتيال تضرب صناعة زيت الزيتون الحيوية لاقتصاد تونس"، فبراير 2025.
سبوتنيك عربي، حوار مع رئيس نقابة الفلاحين التونسيين الميداني الضاوي، ديسمبر 2024.
جريدة الشروق، "زيت الزيتون: تونس تتوقع إنتاج 340 ألف طن في 2024-2025"، يناير 2025.
موقع babnet، "صادرات تونس من زيت الزيتون ستبلغ 300 ألف طن"، نوفمبر 2024.
وزارة المالية التونسية، مشروع قانون المالية لسنة 2024، أحكام دعم التعليب.
المجلس الدولي للزيتون، تقرير حول تركّز سوق التصدير التونسي، 2024.
وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، مؤشرات قطاع زيت الزيتون 2024-2025.
جميع حقوق النشر محفوظة للمؤلف

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...